تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Literally Peace

غفران

بالكاد كنت أرى تعابير وجهه المتخفّية… 
كان يتحاشى النظر إلى عينيّ، يتلعثم ويبتلع ريقه آلاف المرات، يسوي من جلسته كأنه في مقابلة عمل؛ وكأن مصيره، والحكم عليه، سينطقان اليوم.

في خيبته آلاف الأعذار، لكن شيئًا ما منعني من المسامحة…
ربما لأننا لم نتعلّم قبول الآخر.

كان يهمس ويتمتم، ويتلفّت بعينيه إلى كلّ من كان في ذلك المقهى النائي، يبحث عن أشباهه… 
عمّن يسانده، ولو نظريًا، في ذلك الموقف التعيس.

سألته بهدوء: وماذا بعد؟

كان الأمر سيبدو مختلفًا لو جاء قبل أشهر…
حين كنت أتلوّى فوق ذلك السرير، في زاوية الغرفة، وحيدةً معدمةً، لا أنشد إلا الموت… 
وفي كل تلك اللحظات كان يكمل حياته ببساطة؛ سهرات، صداقات، منشورات… 
وكأنه يقول لي: ما أجمل الحياة من دونك.

والآن يعود… 
يعود مترجّيًا اللقاء، وأسأل نفسي: لماذا أنا هنا؟

هل جئتُ لأُسامحه؟ أم جئتُ لأتشـفّى به؟ وهل فُرضت علينا المثالية؟
هل فرض علينا أن نُطأطئ الرأس في كل مرة يعود فيها الحبيب، أملًا بخاتمة أجمل؟

أم هو البؤس والوحدة؟
الحاجة؟
أم أننا مجرّد دمى٬ يحرك خيوطها كل من حولنا؟

سيلومني الجميع… 
سيقولون لي: فعلكِ حرام. فبعد عودته نادماً متمسحاً بكل ما تبقى في قلبكِ من مشاعر , لمَ القسوة؟

وهل القسوة دومًا تصرّف سيئ؟

عندما تثور البراكين تغلي وتنتفض بكل ما تحويه من حممٍ وأحاسيس، ثم تتعرّض لبرد الآلام… فتغدو قاسية، لتتحول صخورًا ميتة تدفن داخلها أصل الحياة وكل أنواعها٬ فهل من يعيدها كما كانت؟ 
وكيف يعيدها؟ 
وما هي حرارة الحب التي تحتاجها كي تعود سالمةً، متدفقةً، مدمّرةً كل ذلك الوجع؟

ومن يستطيع أن يعالج كل تلك الشقوق المتراكمة، المحيطة بذلك البركان الخامد الميت؟ 
وهل تنفع اللاصقات الطبية؟

كانت تمرّكل تلك الأفكار في رأسي وأنا أنظر إليه بهدوء٬ وببرودة مصطنعة توهم من يراقبني أنني أتأمل اللاشيء.

يقولون أنّه وبعد الارتباط يظهر شيءٌ ما في الرجل يجعلك تشعرين بالملل… 
لكن يومها لم يكن الملل هو ما أشعر به حقاً… 

كان غريبًا عني، مسكينًا، يشحذ ما تبقى في قلبي… 
ولم يدرِ أنه صار خاويًا منذ زمن.

تجاوزت كل تلك اللحظات واللعنات…
كل تلك الانهيارات… 
وعدتُ من جديد…
عدتُ٬ وربما لم أعد…

بتّ أؤمن بتناسخ الأجساد؛ فربما جسدي الآن يسكنه روح أخرى… 
روح ملّت الانحناء، تُقدّس ما تبقى من كرامتها وجسدها، وتلملم الذكريات لتلقيها في قمامة الماضي.

في خيالها ترسم صورة لرجلٍ يقدّسها، لا يتلفّح بكل ذلك الضعف المهين، ولا يسكنه ذلك الارتباك اللعين.

لو جاء قبل ذلك… 
قبل أن يفوت الأوان… 
لو جاء وقال أنه قد أخطأ…

يقولون إن العتاب على قدر المحبة… فأين ذهب العتاب؟ ولماذا تأخر؟

أهي حقًا حواجز بيننا؟ 
اختلافات في رؤيتنا للحياة ومعالجتها؟ 
هل أحتاج فعلًا إلى ذلك الوقت؟ هل يحتاج فعلًا إلى الاحتواء؟

كنت أنظر لنفسي في المرآة كل يوم، أتأمل مشاعري، ثم أتساءل: ما الذي ينقصني للكمال؟ 
هل كنت أنشد كماله؟ 
وإن كان كمالي… إذن لماذا ذهبت مشاعري أدراج الرياح؟

أُسامحه؟…
أأُسامحه؟
بات هذا السؤال ينقر رأسي مرةً تلو الأخرى…
تَك… تَك… تَك… تَك…

تذكرت فجأة كل تلك اللحظات… ودقات الساعة المتلاحقة يومًا بعد يوم.

قال لي إنه حاول العيش بدوني ولم يستطع، وإنه لم يجد معنىً لحياته إلا معي… 
لكن شيئًا لم يتغيّر بالنسبة لي. 
أنا الآن فتاة أخرى، تحمل الاسم ذاته والملامح ذاتها بالصدفة…
أنا اليوم سعيدة بتعاسته… 
أتأمله بدافع الانتقام.

لا أصدق…
الآن وجدت نفسي.

نعم… أنا هنا أنتقم. 
لأشبع روحي بكل الانكسار والخذلان اللذين يحملهما في عينيه. 
أنا هنا… لأتشـفّى.

قيل لي إن الانتقام صفة الشيطان…
وأن الانتقام يتغذى من دماء الروح… 
لكن أحقًا لا وجه للانتقام إلا ذاك الوجه البشع؟

أحقًا تجدون أن بناء أسوار من اللؤم حول ساحة قلبي جريمة؟ 
ولماذا يجب أن أبرر حملي لسلاحٍ يحميني من تحلل قلبي؟

يا للعذاب…
أين المفر من عبء الذاكرة؟ 
وفي عقلي صناديق وصناديق تخبئ كل ذكرى عشناها سويًا… 
تلك التي حاولت بكل الطرق أن أقفلها، كي لا تشفع له في هذا الموقف.

لملمت أغراضي وخرجت من ذلك المقهى مسرعة٬ وقد امتلأ قلبي بالعدل الإلهي. 
ولكنه لحق بي…
غمرني عنوة.
ضمني وكسر كل الأقفال، وأعاد كل تلك الذكريات.
فعل ذلك بصمت… كأنه تحدث الآن فقط.

فعلًا… لا نستطيع الهروب من قدرنا، كما لا نستطيع أن نبدّل جلدنا. ومهما قسونا ففي داخلنا بئرٌ عميق من الحب لا يمكن أن يُطمَر.

غازل قلبي يومها… 
محا كل ذلك الوجع٬ وأعاد روحي القديمة إلى جسدي.

ابتسمتُ ابتسامة المهزومة. 
التفتُّ… والتقت العيون لأول مرة منذ بداية هذا اللقاء الأزلي… وقلت له، غصبًا عني:

أحبك…
ولكنني لن أعود…

هبا علاء الدين