هنالك حربٌ تدور الآن، ليس في ساحات المعارك البعيدة بل في داخل جمجمتي. صراعٌ لا هوادة فيه وغير مرئي، إذ أنّ أفكاري هي السلاح والجرحى في آنٍ واحد. العفو، الغفران، التسامح؛ كلماتٌ ومشاعرٌ لا تتوازن مع ثقل الغضب الذي يعيش في جسدي وروحي، ويضغط على صدري.
في هذه اللحظة التي أخطّ فيها مشاعري، لا أؤمن بالعفو عمّن أوصلني إلى هذه الزاوية وحشرني فيها. عمّن عليّ أن أعفو؟ عن أمّي وأبي اللذين قذفا بي دون تفكير في خضمّ هذه الحياة، ظنًّا منهما أنّهما قاما بإنجازٍ عظيم؟ لأعيد الكرّة وأمارس الفعل نفسه مع فتياتي، فتصفعني الأقدار بقسوة، ويصبح عليّ أن أكون أكثر اتزانًا وتعقلًا، وأن أعفو لأستمر؟ أم عمّن مرّوا في مسيرة حياتي من أقرباء وجيران وأصدقاء، الذين حفروا بتنمّرهم أخاديد الألم، حتى إنني ولفترة طويلة لم أنجح في معالجة تلك الجروح، وآثرتُ الهروب دومًا؟
لأجد بعد ذلك أن أصعب غفران وعفو، هو العفو عن النفس؛ التي اقترفت على مدار عمرٍ بأكمله، أخطاءً وتصرفاتٍ كانت نتيجةً طبيعيةً لكلّ ما سبق. وكلّما أنعشت الذاكرة تلك اللحظات، ازداد مفعول الألم، وبالتالي الغضب؛ على ذاتي وعلى هذا الكون برمّته. ومن نظرية الإيمان بأنّ الألم ليس منافسة، وأنّ الشفاء لا يتعلق بمن كان على حقّ، بل باستعادة سلامي الخاص، كم أتمنى أن تصبح حرب العصابات التي تُشنُّ داخل جمجمتي بوحشية أكثر لينًا وتعاطفًا ورأفةً، كي أعبر إلى ضفة السلام الروحي وأنجو.
لبانة عيشة
