كنتُ في كثير من الأحيان قاسية على نفسي، كنتُ حتى الأخطاء البشرية العادية أعتبرها مصيبة؛ إذا ارتديتُ يوماً حذاءً لا يلائم الطقس، أو تأخّرتُ أو نسيتُ موعداً ما. إذا بالغتُ في سعادتي، ولمّا كانت ردّات فعلي لا تُشبه أحداً.
كرهتُ مهامي المتعددة وتركيزي المتأرجح، ابتسامتي البلهاء، ارتباكي أمام مدير العمل، عتاباتي المتكررة وبُـكائـي الطويل، مزاجاتي السيئة والجيدة والعادية، مشييَ السريع، رقصي الأهبل في الطرقات والأزقّة، غنائي الحزين، واتّهامي لنفسي بأنّي أسوأ الأمهات.
أمّا الآن، فأنا أعرفني جيداً، وأعرف أنّ الغفران ليس لغيري فحسب، بل لي أنا أيضًا، أنا التي حمّلتُ نفسي عبء المثالية، وألبستُها ثوبًا ضيقًا من توقعاتٍ لم تُخاط لأجلي.
بدأتُ بالطبطبة على نفسي. كنتُ الجلّاد والمحكوم معاً؛ أجلدُني على سقطة، وأوبّخُ قلبي على نبضةٍ لم تُطابق الإيقاع. لكنني أدركتُ أن الغفران وطنٌ داخلي، أضمّ نفسي فيه حين تضلّ، وأحتويها كما لو أنّها طفلة؛ تتعثر حين تركض وتضحك حين تنجح.
آه يا نفسي، كم شعرتُ بالخفة حين قلتُ: “لا بأس، لم يكن عليكِ أن تكوني كاملة.”
غفرتُ لتلك التي بكت أمام المرآة، ولمن نسيت الأسماء والمواعيد، لمزاجي المتقلب كفصول العام، لغنائي الذي لا يعرف السّلم الموسيقي، ولرقصي الذي يشبهني فحسب.
تعلّمتُ أن أرتدي الحياة بحقيقتها، بكلّ عثراتها الصغيرة وسعادتها المفاجئة. أن أحبّني كما أنا وكما سأكون غدًا، بأخطاء أخرى وربما أحلامٍ مختلفة.
إنّ الغفران لي؛ فغفرتُ لأمسي، ولليوم أن يكون أقلَّ جمالًا مما أردت، وسأغفر لغدي أيضًا، لا لأنّه سيكون أفضل، بل لأنني أستحقّ أن أكون ذاتي.
رهف عيطة
