سأذهبُ إلى البلدية لأسألهم عن الحقيقة.
سمعتُ أن هناك جمعيات مخصصة لإعادة البيوت لأصحابها، سأخبرهم بكلّ ما أعرفه وما شهدته بنفسي. معي دفتر جدتي ومساقط المنزل المرسومة باليد. ومستعدة لأوكل محاميًا وستكونُ تكاليفه على حسابي! فلتبدأ المشاكل!
هذه أنا، ولدتُ عام ١٩٩٠، ورثتُ عن أميّ منزل العائلة في باب توما في دمشق. فيه بحيرة مثمنة من العهد العثماني، آنذاك كان والدُ جديّ أرستقراطيًا متعجرفًا، وخائن في بعض الروايات. خسر ابنه، أيّ جديّ اللزم، جميع النقود بسبب هوسه بلعب القمار، وهي قصّة لطالما رددتها أمي على مسامعي وهي تكشّر عن أنيابها وتشيرُ بأيديها أكثر من العادة بحركات عصبيّة متوترة. تُحلفّني أنا وأخوتي ألّا نفعل أمرين، لعب القمار وأن نهبَ أملاكنا لأزواجنا بفعل الحُب.
لطالما رأيتُها في غرفتها تعدّ النقود وتخفيها في صندوق خشبي داخل خزانتها. وإن استحوذ عليها هوس، فهو شراء العقارات، فهي أكثر الاستثمارات نجاحًا بنظرها، لكن، وللأسف فقد توفيت بجلطة قلبية بعد بداية الحرب وكان مالها قد فقد قيمته، هذه المرة دون قمار، ودون أن تسجّل شيئًا باسم زوجها. بقي هذا المنزل الذي ورثته وحولته من تحفة عريقة مملة إلى متاهة مسلية تحتوي على أدراج داخلية وخارجية، ومسبح على السطح، وأضفتُ غرفة للملابس بخزائن دوارة. فكرتُ أيضًا أن أضع زحليطة تشبكُ الطابق الأرضي بالأول.
أنا أذكر ذلك اليوم جيدًا بكلّ تفاصيله. لا قصفَ ولا قذائفَ هاون؛ كان الأمن مستتبًا منذ أسبوع. كنتُ أتأمل انعكاس ملامحي على البحيرة في الفناء خلال الاستراحة، وأثني على تسريحة شعري الجديدة، فقد أضفتْ رهافةً على وجهي وأبرزتْ خداي. كما أن طلاء الأظافر الأبيض لاق بلون بشرتي السمراء. لكنني علمتُ أنني لستُ أسطورة النرجس، ولا أيّ بطلة أخرى. كنتُ حبيسة منزلي بعد أن قررتُ استقبال ضيف.
أخرجتُ المرآة الطويلة وكراسيها، والمنضدة من الغرفة. أزحتُ الأريكة إلى جانب النافذة، لكنّها لم تبدو مريحة في مكانها الجديد، فأعدتها إلى جانب الحائط الأيمن. لونها فستقي، مخملية الملمس، كنتُ أسمّيها الأريكة الملكية. أجلس عادةً عليها صباحًا وأقرأ كتبي بجانب المصباح الذي اتخذ شكل قطعة من حبّة فطر. أفضل القراءة بعد الاستيقاظ دائمًا لأنني أكون متفتحة الذهن، ولا أطالع مثل الأطفال لأغفو أو لأستمتع، بل لأوسّع أفقي وخيالي، وأكون بالمرصاد للكاتب الذي يستخف بعقلي، فلا يفلتُ من لساني إلّا بعد حين.
هكذا أنتقم لوقتي الضائع.
برزت حيطان الغرفة عارية حين أفرغتُها من الأثاث؛ دهان قديم مقشّر تحته قرميد مرصوف. لماذا؟ لأنني كنتُ أفعل ما يحلو لي، وإذا أردتُ للحائط أن يكون أحمر اللون ورقي الملمس، وسيكون.
أكره المساحات البيضاء كما أنني أشتري مفروشات مستعملة دائمًا. أميل إلى الخشب المعتق، والممتلئ بالخدوش. كتبي أيضًا قديمة ومقروءة من غيري مسبقًا، أسعى فور اقتنائها إلى تسجيل اسمي على الصفحة الأولى وملاحظاتي داخلها، فإذا ما فقدتُ واحدًا، أو وزّعت بعد موتي، سيُعرف أنني امتلكته مدة من الزمن. أما إن أنهيتُ واحدًا ولم يعجبني فأشطب اسمي بالحبر الأسود، وأحيانًا ألقي به ليُحرقَ في مكبّ النفايات.
بذلك لا تحتوي مكتبتي في المنزل إلّا على النخبة.
أفرّغتُ الدروج مما فيها ورميتُ ما لا أستعمله في أكياس القمامة. كلّ من أعرفهم يفرحون باقتناء شيء جديد، أما أنا فأسرّ حين أنتهي منه، حتى ولو تعلق الأمر بعلبة شامبو، أشعر بإنجاز كبير. رغم أنّ ذلك لا يعني إلّا أمرًا واحدًا؛ عليّ أن أشتري مجددًا وأدفع النقود، وأنا لا أستسيغ دفع النقود. أفكر مليًّا كلما وددت التبضّع، وأجري معادلات حسابية، مثلًا أن أقسّم المبلغ المدفوع على عدد الأيام التي سأستخدمه فيها، فإذا كان قليلًا، أشتريه، خدعة تخفف من وطأة الذنب علّمتها لأصدقائي.
كان موعد وصول ضيفي بعد عدة ساعات، وامتلكتُ متسعًا من الوقت ليبدو المنزل بأبهى حلّة.
يسعدني أن يأتي رفاقي لزيارتي؛ حجة رائعة لترتيب المنزل. أما أنا شخصيًا فليس لدي مشكلة مع الكركبة.
بحثتُ عن ورقة فارغة وقلم، ثم أعدتُ رسم مسقط المنزل، إنها الرسومات ذاتها التي بحوزتي اليوم. فكرتُ كيف سأنسّق غرفه. كنتُ أفعل الأمر كلّ ثلاثة أشهر إن لم يعجبني الترتيبُ السابق، كما أنني أملّ الروتين.
وضعتُ الغسيل داخل الغسالة، وخططتُ لإعداد كعكة أيضًا. لا أطيق الطبخ، أحيانًا أضطر إليه حينما تأتيني موجة اهتمام بالمعدة وصحتّي، لكنها مثل موجات الحرارة في أوروبا تذهب سريعًا، ويعود الطقس أبرد من قبل مع أمطار غزيرة وفيضانات وعواصف.
نوبات الوسوسة تأتيني تباعًا، فتسيطر على ذهني فكرة مجنونة أو هواية. الشهر الفائت مثلًا، اهتممتُ بكتابة اليوميات، فبحثت عن كلّ المدونات المتاحة والمعنية بهذا الأدب. شربتُ القهوة وشاهدتُ بودكاست قبل النوم. هناك الكثير الذي لا أعرفه بعد عن الموضوع، وأريد أن أكون متخصصة فيه.
الشهر الذي سبقه انشغلتُ بكرة القدم، تقنيات وضع مساحيق التجميل، السباحة،
أعتقد أن هناك الكثير من الأشياء التي على المرء أن يبحث فيها بعمق.
أنتقلتُ إلى المطبخ، كنتُ اسميه الكارثة، لأنني كنتُ أتجنب الدخول إليه. أمرّ لأعد فنجان قهوة من وقت إلى آخر أو أتناول بعض المكملات الغذائية. أريد أن أقضي وقتي في كلّ الغرف الأخرى، فلا يبقى لي وقت للطبخ. لو وجد قبو هناك لتفاديتُه، ولكن الآن، هنا، فهذه الغرفة هي المطبخ.
إلّا أنني اليوم سأعد كعكة من وصفات جدتي، لقد أهدتني دفتر وصفاتها وهي على فراش الموت، ومعه طوقًا به حجارة العقيق للحماية من المخاطر لا أنزعه مطلقًا.
لا أمانع صنع الحلويات، رغم أنني لستُ الأكثر مهارة، وأنا غالبًا ما أصنع أشياء هجينة، أيّ أنه من الصعب أن أتبع الوصفة وأنتج الشيء ذاته، حتى لا أستطيع تكراره، فأحتفل وأسمّي ذلك إبداعًا.
أتمنى لو كنتُ من النساء الهادئات، اللواتي يعشن حياة بطيئة ويستمتعن بالأشياء البسيطة. لو أنني مثلًا أشتري أطباقًا ملونة، ومناديل مخصصة للطعام، ولكن عقلي لا يحب ذلك. يجبرني على التفكير والهلوسات، وأنا أجري خلفه منهكة،
فأسكبُ النبيذ لأصدقائي في مطربانات، وأشرب الماء بأكواب مخصصة للمشروبات الساخنة، لا يهمني، اتركُ عقلي يفكر في أشياء أهم من ذلك. مثلًا كيف سأصبح كاتبة مشهورة، أو ممثلة يصفق الجمهور لها حينما تصعد خشبة المسرح.
فتحتُ دفتر جدتي واخترتُ منه وصفة كعكة الضحك الصحيّة.
كانت جدتي مبدعة في اختيار عناوينها ووصفاتها، لكنها لم تعرف يومًا المخدرات أو الحشائش.
لتجهيزها احتجتُ خميرة قتل الأفكار الغير ضرورية، مسحوق الكاكاو الخام مضاد أكسدةٍ للحزن، بعض قطرات من الفانيلا السائلة للوقوع في الحب. وأضفتُ بعض المكسرات لزيادة حدة الذكاء والذاكرة، إذ مع ازدياد التكنولوجيا صار عقلي بطيئًا وكسولًا، ثم وضعتُ بعض قطع الفاكهة مثل الأناناس والكرز للزينة والمذاق الحلو.
أخرجتُ المكونات التي احتجتُها من خزانة المطبخ الأخضر المُزرَّق، أو الأزرق المُخضَر، أيّ أقصد. كنتُ قد غيرت طلائها وأعجبني لونها، فأكملتُ خشب الكراسي وطاولة الطعام و باب المنزل الخارجي.
أفضل ألّا يسألني أحد عن منطق الألوان، أو عن اختياراتي عمومًا. العمل يأتي أولًا ثم التقنيات والقواعد، سؤال ماذا لو كان لون الشال أحمر بدلًا من أزرق؟ يمكنه طبعًا، يمكنه أيضًا ألًا يكون شالًا ويكون طاولة. ثقافة ما بعد الإنسان، التعقيد الذي يجعلني أدور في حلقة مفرغة.
السنة الماضية أعجبني البيج، ليس أبيضًا، بل مائل للذهبي، وأحيانًا الزهري. شعرتُ أن روحي سكنته فبات يعكس على وجهي ملامح امرأة من الطبقة البرجوازية، أو من النساء الفرنسيات. حتى أنني أحطتُ نفسي بكثير من تفاصيل معمارية تشبه ذلك الوقت. مبانٍ أحادية اللون.
في مناسبة أخرى سيطر عليّ الأزرق الملكي، لن أدخل في تفاصيل أثره عليّ. أستخدم الألوان للعب بالأفكار والسيطرة والتعبير عن الحالة الذهنية التي أمتلكها.
كنتُ سأسعد لو كنتُ أملك روبوتًا ينظف المنزل بأكمله؛ أكره كلّ الأعمال الروتينية، وقتي ممتلئ بالرياضة، والكتابة، والفن، والرحلات، وأصبح سيئة وكسولة حين يتعلق الأمر بالتنظيف، رغم أنني أقوم بكل الحركات الرياضية حينما أكون في النادي، لكني أعجزُ عن إقناع عقلي بأن التنظيف نوعٌ من أنواع الرياضة أيضًا. أنا لا أملك مقاومة عالية، حسّاسة، مثل الفنانين والشعراء.
لم أستطع أن أمتلك خادمة أيضًا، رغم اتساع المنزل واحتياجه إلى جهد لا ينتهي؛ أنا سيئة في أخذ دور السلطة، وكذلك في وضع حدود لي في موقع اللاسلطة.
لم أنتمي يومًا إلى الأقليات، الطائفية والجنسانية أو أي فئة تشعر بالتهديد. إلّا أنني عشتُ معظم حياتي ضمن مجموعات كنتُ فيها الأقلية وقد كان من حولي يجتمعون، ويعبرون عن مشاعرهم بشراسة، فأكاد أحيانًا أنسى نفسي وأشتم معهم، كلّ من لا ينتمي للأقليات هو عنصري وطبقي ومناطقي بطبعه! والتاريخ يثبت ذلك!
الآن أبقى معظم الوقت وحيدة، وأنجزُ الأعمال بيدي. لو أن كلّ شخص يعرف من تلقاء نفسه ما يجب عليه فعله!
لو أن هناك أطباقًا تغسل نفسها بمفردها، ولو أن هناك آلة تسجيل داخل رأسي لتدون هذه الأفكار.
صممتُ أيضًا حوض استحمام خاص، مياهه سحرية تحافظ على إكسير الشباب والقراءة داخله متعة لا يعرفها إلّا من عاشها. كنتُ أتعب طول النهار حتى أحصل على وقت كهذا، ليسَ مريحًا لوقتٍ طويل، إذ ما ألبث أن أشعر برغبة الخروج منه لأتبول، أو بسبب جوع مفاجئ أو بسبب الحر.
لكنني كنتُ أستمتع! وأحاول القراءة، ثم أجد نفسي شاردة وأبدأ بتأليف قصصي الخاصة. أنا لا أحقق الكثير من الأحداث في العالم الخارجي، لأنني أحقق كثيرًا منها داخل عقلي، وأنا راضية بهذا. يمكنني أن أفعل ما يحلو لي داخل عقلي. أو أكون في أي مكان أرغب فيه.
وضعتُ الكعكة داخل الفرن وخرجتُ لأروي عطشَ النباتات في الخارج. الحديقة هي حرّيتي في هذا المنزل، تمنحني شعور الخروج الذي أملكه وحدي، المعزول بإرادتي عن محيطي، وأحب أكثر من الحديقة، شجرة الرمان الوحيدة في منتصفها.
النباتات الذابلة تشعرني بالحزن، ويغطيني شعور الفشل لأني لم أنقذها يومًا ما.
هوسي لذلك الشهر وصل إلى النباتات التي تنمو داخل المياه، لذلك اشتريتُ زجاجات ملونة رميتُ فيها جذورًا بدأت تنمو. هذا يذكرني أيضًا بالصور التي جمعتها عن الساحرات. أردتُ الذهاب إلى السوق وشراء أغطية عليها صور النجوم والكواكب. أهوى المرايا أيضآً، والإطارات النحاسية.
أشعلتُ بعدها بعض البخور لطرد الأرواح الشريرة، من الجيد أنني كنتُ أسكن بيتًا لا قبو فيه.
اخترتُ عشبة بيضاء لتبخير المنزل. أحب دائما أن يكون لمنزلي رائحة مميزة، تشبه من يمارسون اليوغا ويؤمنون بالتاروت.
أحتاج استراحة من رأسي، سأترك الأشياء وأمارس اليوغا الخاصة بي. أقترح على العلم الحديث أن يصنعوا جهازًا أو تطبيقًا لملاحقة كمية الأفكار مثلما الخطوات، مثلا، لقد مشيت الآن مئة فكرة خلال ساعة واحدة.
فردتُ المدة في الحديقة واستغليتُ الظل الناتج عن شجرة الرمان.
فردتُ ذراعيّ ثم طويتها، لم تتوقف الأفكار عن التدفق؛ تجاهلتُها وركزتُ على نَفسي. أهوى الحديث عن الشاكرات وعن الطاقة الخفية، أرخيتُ ذراعي وقفزتُ على المدة. وكنتُ أتلفتُ حولي من حين إلى آخر. يتملكني شعور أن أحدًا ما يراقبني، ويسخر مما أفعل، ولكنها ليست فكرة عن الله أو الملائكة الذين يسكنون فوق الكتفين، شخص من لحم ودم، يجري خلفي، يلتقط لي الصور ويسخر مما أفعله.
في نهاية الجلسة، استلقيتُ على ظهري واسترحتُ بعدما تعب جسدي. حلمتُ بأنني أهجمُ راكضةً مع ذئاب في غابة أشجارها كثيفة ومتشابكة، لا أعرف هدفهم ومن يكون عدوّهم في هذا الحلم. ركضت معهم كثيرًا إلى أن وصلنا الشاطئ فتوقفوا، ووقفتُ. قفزُ ذئبُ من آخر القطيع عليّ، أسقطني ونام على حضني، ثم آخر، ثم آخر، حتى صاروا جميعهم من حولي وعليّ، ثم استيقظت. هذا الحلمُ نذير شؤم! أراد تحذيري ولكنني لم أستجب سريعًا.
طرق شخصٌ ما الباب، ليقطع عليّ أفكاري ووقتي مع نفسي. رجلٌ يشبه ساعي البريد أو موظفي الدولة، وبصحبته امرأة شقراء لها قامة متوسطة وعينان خضراوتان. لا أحبّ الشقراوات ولا أثق بهن؛ أمّا النساء اللواتي يشبهنني يحق لهن لقب الجميلات فحسب.
قال إنّه من البلدية، وأخبرني أن لديهم أوامر أن ينزلوا إلى القبو، فسخرتُ منه وأخبرته أنني لا أمتلك قبوًا في منزلي، لكنه أصرّ عليّ وأخرج لي المخططات، ففتحتُ له الباب لأريه الفوضى وأخبرته أنني أحضر نفسي للسفر؛ لم يكن ذلك صحيحًا، ولكنني تحججتُ بالفوضى كيلا يدخل ويعكر صفو مزاجي أكثر من ذلك. نادى على العمال أن ينزلوا مؤكدًا أنهم سيلقون نظرة سريعة. سمحتُ لهم بالدخول، ثم أكدّت عليه أنني من المستحيل أن أجد المفتاح لأنه لا يوجد مفتاح أصلًا. لكني أعلم أن لديّ وجهًا ساذجًا يجعل جميع من حولي لا يصدقون ما أقول. طبعًا بعد أن وصل العمال، ودخلوا بأحذيتهم المليئة بالطين، وأنا جلستُ أراقب كيف تحوّل يومي من سعادة مطلقة إلى حفلة تنقيب رثة، ومن يدري ما سوف يجدونه بالداخل. الحكومة اللئيمة، كلّما وجدت الطقس معتدلًا تبدأ في ترميم نفسها على حساب راحتنا وأفكر، أين عطلتي؟
كانت السنة التي سبقتها جحيمًا، حينما ذهبتُ إلى البحر لأستجم، سافرتُ بعيدًا حتى لا يزعجني أحدهم، فإذ بالفندق يقوم بتحسينات على مبانيه. ليس بمعنى أنه توقف عن العمل، بل على العكس، ظل يعمل طوال الوقت! وحدي دونًا عن كلّ النزلاء تلحفتُ غطاءً سميكًا وصحوتُ على نوبات صداع وزكام مرافقٌ له. أفتح النافذة فتدخل الجنادب الخضراء النطاطة، أغلقها فيزداد الصقيع. من كان ليدفع ضريبة معاناتي؟
دخلوا المنزل وبدأوا البحث عن درجٍ يقود إلى الأسفل، نفذوا من البهو إلى الحديقة ثم المطبخ، ثم المكتبة وأخذوا يضربون الأرض بأقدامهم علهم يسمعون صدىً يدلهم على القبو. أزاحوا السجادة عن الأرض ولم يجدوا إلاّ الغبار تحتها، فخجلتُ من نفسي التي كسّلت شفطه، ونفت وجوده، وقد داروا دورة أخرى ثم عادوا مجددًا إلى المكتبة وأزاحوا عددًا من الكتب عن الواجهة الأمامية إلى المبنى، فظهر باب يودي إلى الخارج، بابٌ قديم ملغي تمامًا، إطاره يوحي بذلك.
أزاحوا السجادة مرة أخرى، وأحدهم جاء بسماعة تشبه سماعة الطبيب وبعد قليل أُمر بالحفر هناك حتّى تكشف درج سريّ يشبه أدراج السراديب ونزلوا إلى الأسفل. سمعتُ أصوات سعال وطلبوا من آخرين أن يتبعونهم، وبعد حوالي خمس دقائق خرجوا من السرداب على شكل بومات بنية اللون بنقاط بيضاء. فدخل آخرين وخرجوا على هيئة بومات، وسرعان ما أصبحوا يشبهون كتيبة في الجيش ينتظرون أصدقائهم للخروج لتدخل الدفعة التي تليها، ونظرت من النافذة المطلة على الفناء فوجدتهم يحومون فوق البحيرة، ويلفون مخالبهم حول أغصان شجرة الرمان وداخل الغرف.
أسرعتُ الى المطبخ وسحبتُ دفتر جدتي و الأوراق المكدسة بجانبه وصعدتُ إلى الشرفة كي أتحاشى ما يحدث في الطابق الأرضي. بحثتُ في داخل الكتيب إن كانت تعرف ما يحدث، أو إن كان هناك وصفة ما لإنهاء هذه اللعنة فلم أجد شيئًا. نظرتُ إلى الشارع فلفتت نظري فتاة ترتدي بدلة رسمية، نظرتُ إلى قدميها فوجدتها ترتدي كعبًا عاليًا أعرفه، تابعتها بأعيني وهي تقترب، هي أنا، لكنها أكبرَ منّي. تقدمت باتجاه المنزل، لعلّها أرادت أن تدخل أيضًا، ثم طارت نحوي وأعطتني حزمة من النقود قبل أن تتلاشى وتتبخر في الهواء. نظرتُ إلى السماء فرأيت جيشًا من الذئاب التي تمتلك أجنحة يحلقون، كانوا غاضبين ومسرعين، ثم وصلوا إليّ. نزل اثنين منهم وحملوني خارج المنزل وطاروا بي بعيدًا بصحبة السرب.
البلدية هي الوحيدة من يمكنها أن تجد توضيحًا لي. سأذهب إلى مكتبهم للتحدث معهم ومعي الأوراق. يمكنهم أن يجعلوا هذا النوع من المعاملات بلا نهاية أبدًا.
لكنّي، لن أملّ ولن أتعب من انتظارِ ختمِ آخر ورقة بــ “أُنجزت”.
فرح النيحاوي
