أيّ شعور هذا الذي يعتريني؟ لماذا لا أشعر بالحماس المطلوب، رغم أنني أنتظر هذا اليوم طوال العام؟ كلّ عام. في الخارج يبدو كلّ شيء على حاله؛ حتى العاصفة الثلجية تواظب على موعدها، كأنها جزء من طقسٍ رسميٍ.
الشارع أبيض، الأشجار صامتة، النوافذ مضاءة بحميمية شتوية مألوفة. أشعر أنني خارج الزمن.
لماذا الإحساس بالغرابة؟ الوحدة التي تنتشلني من مكاني وتضعني حيث لا أنتمي؟ منذ تلك الحادثة المفاجئة، أو لأكون أكثر دقة، منذ أن قررت إحدى صديقاتي أن تتعامل معي برسمية، وأن تسأل عن أخباري بطريقة سطحية باردة، لم أعد أعرف لنفسي مستقراً.
صرتُ أقيس الأشياء بما قبل وما بعد، وكأن الزمان انقسم نصفين، وكذلك المكان، وأنا أيضًا.
نسخة منّي عاشت ما قبل الحادثة، تعرف نفسها جيدًا، وتتحرك بثقة داخل أيامها. ونسخة أخرى تائهة فيما بعد، تحاول بشتى الوسائل جمع شتاتها، وادعاء التماسك، والاستمرار.
أجلس على سريري في غرفتي، وأشعر أنها تضيق بي؛ برأسي الممتلئ بالأفكار، ومشاعري التي تكاد تفيض بالمكان.
لا أفهم كيف تتسع لكل هذه الكراكيب.
طاولة العمل، الكرسي، خزانة الملابس، السجادة ذات الشعر الطويل التي كنت أحب ملمسها تحت قدمي.
رسومات سلمى الملصقة على الجدار بعشوائية تامة، شمس صفراء أكبر من اللازم، بيت يميل قليلًا إلى اليسار، وامرأة بشعر طويل تقف قرب نافذة. تقول إنها أنا.
في الزاوية كيس الضخم، فيه ملابس قديمة ومهترئة، أشياء لم أعد أرتديها، لكنني لم أحدد مصيرها بعد. أحتفظ بها كما أحتفظ بأفكار لا أملك شجاعة التخلص منها.
أتقلّب في السرير كثيرًا وأبدّل وضعيتي دون وعي. أحرّك كتفيّ، أمدّ عنقي، أبحث عن زاوية مريحة لا تدوم.
طقطقة أصابعي أصبحت عادة صامتة ترافق أفكاري، كأنها إيقاع خافت يذكّرني بأنني ما زلت هنا.
أقوم أحيانًا بحركات عشوائية تبدو مضحكة لو رآني أحد، لكنني أتعامل معها بجدية تامة، أحاول استعادة توازني دون اللجوء إلى مسكنات لم تعد تجدي نفعًا.
أما عن لحظات التوتر القصوى، فأتمسك بخصلات شعري من الأمام، أبدأ بلفها حول أصابعي.
إلى الأمام.
إلى الخلف.
أدورها وأشدّها حتى أشعر أحيانًا أنني على وشك اقتلاعها من جذورها
وكأنني أنتظر منها أن تصرخ في وجهي:
توقفي عن تعذيبي. لا ذنب لي.
حينها أدرك أنني بحاجة إلى استراحة من أفكاري، ومن كل المقارنات والمفارقات التي لا تنتهي.
أغمض عينيّ قليلًا، أحاول تهدئة صخب الأفكار في رأسي.
أحاول أن أتنفس ببطء. شهيق. زفير.
أعدّ الثواني كما لو أنني أعدّ احتمالات النجاة.
يأتيني صوت سلمى من الممر مفعمًا بالحياة والفرح، صوتها الذي لا يعرف الانقسام بين ما قبل وما بعد.
يعيدني إلى واقع جميل، تسرقني منه الأفكار السلبية التي تسكن رأسي.
“اليوم عيد ميلادي ماما! وبرا كتير تلج، وكل شي أبيض!”
أفتح عينيّ.
أنظر إلى الباب.
أعي أن هذا اليوم لم يكن ينتظر اكتمالي الداخلي؛ أن أتصالح مع كل التغيرات.
كان ينتظرني، ككل عام، أن أكون هنا، في الغرفة التي تضيق وتتسع بحسب ما أحمله في داخلي.
هنا، أمام رسوماتها المعلقة بعشوائية بريئة، في يومٍ يتكرر كل عام، لكنه لا يشبه أي يوم آخر.
أدركت حينها أن ما أحتاجه حقًا ليس تفسيرًا لما حدث، ولا إعادة عقارب الزمن، بل أن أركّز على ما أملك الآن؛ أن آخذ استراحة طويلة وأخرج مع سلمى إلى الثلج، قبل أن يبدأ الداخل من جديد في طرح أسئلته الثقيلة.
رهف عيطة
من ورشة تدريبية مع المدرّب هاشم هاشم
