Literally Peace

زهر البنفسج لا ينام

لا أحب الاستلقاء على ظهري فأحلم بالكوابيس، ولا طقطقة المطر على زجاج النوافذ. يخيفني صفير الرياح حينما يتسلل عبر الشقوق.

لا أحب الشتاء عمومًا، ولا الأغطية المكدسة فوقي؛ أحلف لأمي أنني لن أموت من البرد كما تدّعي، بل خنقًا تحت الأغطية السريرية، لكنها لا تصدقني، ولا تصدقني كذلك حينما أخبرها أنني انتهيتُ من طعامي. 

ربما تعلمتُ يومها ألّا أثق في شعوري بالحرّ أو البرد، الجوع أو الشبع؛ صار صوتها داخل رأسي دائمًا، فإذا لم تقل شيئًا، أخبرته لنفسي وعارضته في اللحظة ذاتها.

أستدير إلى الجهة اليسرى متجاهلة كلّ المعلومات الطبية عن خطورة الضغط على القلب. أراقب الظلال من حولي وانعكاسات الأثاث في المرايا. لطالما كرهتُ اللون الأبيض، لكنني أجد نفسي مؤخرًا محاطة به من جميع الجهات.

أوّل غرفة نوم اخترتها بنفسي كان لونها أحمر. لم يكن قرارًا صائبًا كما استنتجتُ فيما بعد، لكنني تشبثتُ برأيي وحصلتُ نتيجةً لعنادي على ما أرغب به. لا شيء يضاهي متعة فرض الرأي؛ أن تفعل ما يحلو لك. كنتُ أطبّق المبدأ ذاته في كلّ شيء؛ أدهن كلّ ظفر بلون، وأضع حلقًا طويلاً وآخر قصيرًا، وأنكش شعري كالمشردين. منذ أصبحتُ أنسق الألوان مع بعضها، بتُ أكثر حذرًا.

أمي لا تزال مستيقظةً مثلي، تغسل الأطباق المتراكمة في المطبخ. لا أحب هدير صنبور المياه في هذه اللحظة؛ إنها المرة الثالثة التي أخرج فيها إلى دورة المياه. أزيح كلّ الأغطية كمن يرفع شاهدةً رخاميةً عن قبره، وأعود مستسلمةَ وبدني يرتعش. 

تكّاتُ عقارب ساعة الحائط ترتفع كلّما اقترب منتصف الليل؛ ليتني أنزع بطارياتها. لطالما حاولتُ في صغري ضبط دقات قلبي لتتماشى معها، لكن فجوةً كانت تفصل في الزمن بينهما، وفي معظم الأحيان كان قلبي هو من يخطئ العد؛ فيتسارع نبضي حين ينطق أستاذ المدرسة اسمي للتسميع الشفهي، أو حين أنتظر بفارغ الصبر أن أحتلّ المرتبة الأولى في أيّ مادة دراسية، حتى ولو كانت الرياضة. أحيانًا يحدث تباطؤ؛ مثل المرة التي انقلبت فيها دراجتي الهوائية في شارع عام وتمزّقت ثيابي.

كنتُ أتخيّل أنّ زلزالًا سيهزّ سريري ويبتلعني وحدي إلى جوف الأرض، وأنّ الكلاب المشرّدة في الشوارع ستتطوّر فتتسلق جدران البناء وتنقض عليّ، فأركض نحو أمّي وأختبئ تحت كنزتها الصوفية كأنني عدتُ إلى جوفها. لا أذكر متى صارت أفعالي هذه مزعجة، وكان عليّ أن أنضج وأتخلّى عن خيالاتي.

أمتنعُ عن تناول هاتفي قبل النوم؛ وضعته في الدرج البعيد لأفصل نفسي عمّا يحدث حول العالم. لا أعتقد أنّ الأسلوب ناجح؛ على العكس، فهو يتركني أعيد صياغة المعلومات وأضخمها بأسلوبي الأدبي الخاص. تمارين اليوغا والتنفس تجعلني غاضبةً كذلك؛ تردّني حاضرة إلى اللحظة الآنية، في حين أنني أبحث عن الهرب؛ البرامج السخيفة والمسلسلات، أخبار المشاهير، كتبي، أحاديث ثرثرة تافهة عن جيراننا. لا أرغب أن أكون جزءًا ممّا يحصل حولي. 

البلاط الرخامي فكرة جيّدة في الصيف، وأسوأها في الشتاء. هذه المرّة أقلب الأغطية دفعةً واحدةً نحو الأرض، وأنزل قدميّ من على سريري بحذرٍ حتى تقعا على السجادة. أتنقّل يمينًا وشمالًا من بقعة صوفية إلى أخرى حتى أصل الصالون. أضغط على مفاتيح الإضاءة لأنني لا أحفظ أيّها يعمل على البطارية الكهربائية، ثم أغلق البقيّة.

الشمعة الصغيرة ما تزال في مكانها داخل الخزانة الخشبية، تفاصيل ديكورية تهوى أمّي عرضها في صالوننا متوسط الحجم؛ فمن يدخل لا يستطيع أن يميز غرضًا من آخر. فازة من الهند على شكل فيل، صندوق خشبي معشّق بالصدف، زجاجة عطر مسكي وصلنا هدية من الحج. وضعتها جميعها للتباهي أمام جيراننا في المبنى، واستخدمت الشمعة الصغيرة، هدية صديقتي من أيام المدرسة، أبخس الأغراض ثمنًا وقيمةً. كتب عليها (الصداقة كنز لا يفنى) بالإنكليزية، لكنني لا أتحدث مع صديقتي منذ أكثر من عشر سنوات، وغالبًا سأدير وجهي عنها إذا قابلتها. أخفيتُ الشمعة أكثر من مرة في درج غرفتي، ولكن أمّي كانت تعيدها دائمًا إلى الصالون. ربما أتناول كبريتًا وأشعلها الآن وأنتهي.

رائحة النارنج تذكّرني بحديقة منزل جدّتي، متسلّقةً الشجرة وقاطفةً ثمارها لتصنع منه المربّى والعصائر، وتردّد أن أجدادي أخذوا معهم أغصانًا كهذه وزرعوها في الأندلس. لكنّها كذبة صغيرة أخرى يحبّ أن يؤلفها عقلي؛ فجدتي تسكن في الطابق الرابع من بناء لا مصعد فيه، وهي معلومة مهمّة أخبركَ عنها؛ إذ لا يزورها أحد إلّا ويلعن الدرجات. كما أنني لم أتسلق يومًا شجرة لأنني أخاف المرتفعات. 

ربما تقول الآن إنني شخص ممل الصحبة؛ لديّ الكثير من المخاوف، وأنا أتفهم تمامًا ألّا ترغب في أن تصبح صديقي. لن أحاول إقناعك. هدفي الأوّلي كان النوم. لكن سحقًا، فكّرت كثيرًا والآن أنا صاحية تمامًا. 

سأخبرك سرّاً عن طفولتي، كنتُ كلّما مررت بجانب شجرة ياسمين سرقتُ واحدةً ومصصتُ عسلها. وكنتُ آخذ كيسًا بلاستيكيًا من المنزل وأملؤه بالأزهار، ثم أقنع الأطفال أن نصنع منها أطواقًا وعطورًا حين نضعها في طنجرة مياه مغلية. هكذا كنتُ أكسب أصدقاء، إلّا أن العطر لم ينجح أبدًا.

زهر البنفسج على الطاولة يبُس، ربما هكذا أفضل، ولكن لماذا؟ ليس لديّ الجلد الآن أن أبحث عن جواب لسؤال سخيف كهذا. أتمنى ألّا تأتي أمّي للجلوس معي. ترى، أهي فكرة سيئة لو أصنع فنجان قهوة الآن؟ غالبًا نعم. لو أنّ الكهرباء حاضرة لصنعتُ كعكةً جديدة. وهي ليست خاطرةً جيدة كذلك بعد أن رُتب المطبخ وأصبح كلّ شيء نظيفًا. وهذا ليس لأنني أخاف منها، رغم أنّها تظنّ نفسها مُرعبة، خصوصًا حين توجّه عينيها نحوي وتوسّع حدقتيها تعبيرًا عن الغضب، وأنا غالبًا أحاول كبتَ الضحكة كي لا أُحرجها. لكنني أعتبر قراري الآن نوعًا من النضوج؛ ليس من اللائق أن أزعج من حولي. 

لون السماء كحليّ، أفكّر كيف صنع الله قراراته عن الألوان، أو على العموم. أنوّص عيني وأعدّ النجوم البعيدة بسبابتي كما كانت جدتي تعدّ الشامات على جسدي وقت الاستحمام. كوني الحفيدة الأولى، حلوةً ولطيفةً، حصلتُ على كلّ الدلال والهدايا والكثير من الصور. خالي يقرأ لي القصص، عمتي تضع لي مساحيق التجميل، الجميع يغرقون وجنتيّ بالقبل.

أتتذكرين حين صار لون السماء ورديًّا؟ أحبّ أن أتحدث مع نفسي بصيغة الأنت، وأحيانا نحن. نحن زهر البنفسج. هاهاها.

ارتفعت يومها الستائر حتى أصبحت أفقية توازي سقف الغرفة. أذكر أنني فتحتُ عينيّ لأرى المشهد، أغلقتهما ثم فتحتهما مجددًا لأتأكد إن كان حلمًا كعادتي أو مشهدًا حقيقيًا. شققتُ النافذة، كان كلّ شيء متباينًا بين الأحمر والوردي. العالم تحوّل إلى غرفة نومي الحمراء. نهضتُ إلى غرفة أهلي، طرقتُ الباب بعنف عدّة مرات دون رد، أكدتُ لهم أن السماء تشبه جهنم. جاءني صوت أبي ناعسًا يأمرني أن أعود إلى النوم لأن لديّ مدرسة بعد عدّة ساعات.

ارتفعت أصوات الرصاص، فوقفتُ في مكاني في الممرّ الداخلي للمنزل، بين غرفتي وغرفة أهلي، وأصررتُ أنّه المكان الأنسب لقضاء الوقت حتى يحلّ الصباح. هكذا قرأتُ على الأقل في منشورات الفيسبوك. سحبتُ الغطاء والوسادة واستوطنت المدخل. السجادة كانت مثالية في مكانها.

استيقظتُ على صوت أمّي لأرتدي ملابسي، وأوضّب حقيبتي المدرسية. لففتُ كنزتي الصوفية ومعطفي فوق اللباس الرسمي فالشتاء والبرد الحجّة الأمثل لإخفاء تلك الأردية القبيحة. تناولتُ بعض النقود وودّعتها، مؤكدةً لها أنني انهيتُ كلّ واجباتي. بالطبع لا، هاهاها. سيكون عليّ أن أنقل بعضها من صديقاتي، ولكنني كنتُ أتحدث عن موضوع التعبير. السماء رمادية، تجعلني أشك بما رأت عيناي، وتؤكد أنّه كان مجرد كابوس، أو أنّه خيالي الواسع كما تحدثني أمّي.

في انتظار الحافلة.

ألم أقل لك إنني لا أحب الانتظار كذلك؟ وخصوصًا انتظار الحافلات العموميّة. كنتُ أمشي في كلّ مرة نحو المحطة التالية حتى لا أقف في مكاني، فأرى الحافلة تمرّ من أمامي وتفوتني بفارق ثوانٍ. لذلك أصبحتُ آخذ معي سماعاتي للاستماع إلى الموسيقى؛ نوعًا من التسلية الذاتية وتشتت الانتباه. مهارة اكتسبتها مع الوقت، مثلاً، أن أحمّل مسلسلًا من ثلاثين حلقة على هاتفي الذكي لأشاهده خلال سفري بالطائرة، فأضمن أن يتركّز انتباهي كلّه على دراما خارجية. لأن الأمر يصبح محرجًا أن تبكي في كلّ مرة تغادر فيها وطنك. لي وللغرباء من حولي، بالطبع. 

لكن بخصوص تلك الليلة، لم أكن أتخيّل. فما حصل معي يشبه حكاية الراعي الكذّاب. ليس من المهم أن أحكي لك الآن ما حدث؛ يمكنك أن تبحث في أيّ جريدة أو موقع الكتروني عن فجر يوم ٥ أيار ٢٠١٣ وتقرأ الأخبار عن دمشق لتعرف. مع ذلك، أكمل الجميع يومه عاديًّا. يذهلني العقل البشري في كثير من الأحيان بقدرته على الإنكار أو الكبت. 

كما ترى، فأنا من وقت لآخر أحبّ استعراض معلوماتي عن علم النفس، وكوني خضعتُ شخصيًا لجلسات علاج نفسي كي أتخلّص من هلوساتي، أحبّ مشاركة المعرفة. بصراحة ليس مع المجتمع، مع أصدقائي. وهذه مشكلة؛ لأنني بدأتُ أعتبرك صديقي، في حين أنّك وهم، أو تقرأ أفكاري بعد موتي. وهو أمرٌ مثالي، يتيح لي أن أعيش طاقيًا، لأن موضوع الزواج وإنجاب الأطفال من الواضح أنّه لن يحدث. قريبًا سأبدأ التفكير في تجميد البويضات أو التبني.

أظنّ أنني سأذهب إلى غرفتي وأفكّ الأسر عن هاتفي في الدرج. أمّي لا تزال في المطبخ تلعب الشدّة مع نفسها.

الواضح أن عقلي محفّز أكثر مما يحدث حول العالم. أرى الألحفة مصطفّةً على الأرض. لطالما تصرّفتُ بعبثية ثم مقتّها لاحقًا، لكنني تقبّلت طبعي ومزاجيتي. أرفع الأغطية واحدًا تلو الآخر بكثير من التذمّر. أحشر نفسي تحتها وأشعل مسلسلًا فكاهيًا قديمًا.

فرح النيحاوي

من ورشة تدريبية مع المدرّب هاشم هاشم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *