Literally Peace

حجرٌ صغيرٌ في صَدري

كلّ يوم يصل متأخرًا، رغم أنه لا يتغيّر.

أستيقظ وأشعر بأنّ الزمن سبقني بخطوة، أو ربما توقّف ينتظرني وأنا لا أجرؤ على اللّحاق به. الضوء نفسه يتسلّل من النافذة ويلامس الأشياء ذاتها، وأنا أستقبل الصباح بالسؤال القديم؛ إلى أين أمضي؟ سؤالٌ لا أبحث له عن إجابة، بل أتركه معلقًا في صدري كحجرٍ صغيرٍ يُثقل النفس من دون أن يقتلها.

أقف عند مفترق طرقٍِ لا أراه بعيني، بل أشعر به بداخلي. طرقٌ كثيرة، متشابهة، بلا علامات، بلا أصوات تناديني. أتقدم خطوةً ثم أتراجع، لا لأنني لا أعرف الطريق، بل لأنني أخشى أن أعرفه.

ألتفتُ إلى مكتبتي، كأنها المخرج الوحيد من هذا التيه. الكتبُ مصطفةٌ بعناية، أعرف قصصها، أفكارها، نهايات بعضها، ومع ذلك تبدو لي غريبة، كأنها تنتظر مني شيئًا لا أملكه.

أمدّ يدي إلى كتاب. أفتحه. تمرّ الكلمات أمام عيني من دون أن تترك أثرًا. أغلقه. أضعه مكانه. أمسك بآخر، ثم أُفلته، كأنّ يدي ترفض أن تكون شريكةً في قرارٍ لا أثق به. لماذا هذا الارتباك؟ أسأل نفسي، وأعرف الجواب، لكنني أؤجّله.

المشكلة ليسَت في الكتب، ولا في الوقت، ولا حتى في هذا الصباح الباهت. المشكلة في هذا الشعور الدائم بعدم الرضا، في هذا الفراغ الذي لا يمتلئ مهما أنجزتُ.

أمضي نهاري كما يمضيه الآخرون، أو هكذا أقنع نفسي. أُنجز المهام واحدةً تلو الأخرى، أضع علامات الإنجاز: تمّ، تمّ، تمّ. أرتّب القوائم، وأكمل ما يُطلب مني. لكن شيئًا ما ينقص دائمًا. لا نشوة انتصار، ولا إحساس بالاكتمال. فقط راحةٌ مؤقتةٌ تشبه الصمت بعد ضجيجٍ طويل.

أقول لنفسي إنّ الغد سيكون أفضل، ثم أبتسم بسخرية، لأنني قلتُ الجملة نفسها بالأمس.

وفي منتصف هذا الدوران يطفو الخوف، لا الخوف من الفشل، كما كنتُ أظن؛ بل هو خوف الاختيار. لأنّ الاختيار يعني أن أعترف بما أريده، وما أريده قد لا ينجح، وقد يخذلني، وقد يكشف أنني كنتُ مخطئًا طوال الوقت.

لذلك أبقى حيث أنا، في المنطقة الآمنة، أؤدي دوري بصمت، وأتجنّب السؤال الحقيقي: ماذا لو اخترتُ وسِرتُ؟

وفي لحظةٍ كنتُ أظنّها امتدادًا للرتابة، انكسرَت الرتابة.

كتابٌ انزلق من مكانه.

لم يكن سقوطًا صاخبًا، بل خفيفًا. كأنّ أحدهم دفعَه برفق. ارتطم بالأرض وانفتح، لا على أوي صفحاته ولا آخرها، بل على صفحةٍ بعينها.

أتجمّد للحظة. أنظرُ حولي، ما من أحد هناك. الصمت كما هو، لكنّه لم يعد مريحًا كما كان.

أنحني. ألتقط الكتاب. إنه ديوان آريِل لسيلفيا بلاث.

لم يكُن اختياري. لا أذكر أنني لمستُ من قبل حتى. ومع ذلك، ها هو الكتابُ مفتوحٌ بين يديّ، كأنّ الصفحة تعرفني. تحطّ عيناي على الأسطر:

”And I

Am the arrow,

The dew that flies”

وأنا”
السّهمُ المنطلق،

والنّدى الذي يمضي طائرًا.”

أقرأُ ببطء. لا أفهم كلّ شيء، لكنني أشعر به. شيء ما يتحرّك في داخلي، لا كفكرة، بل كمعنًى يسبق الفهم. أن أكون أنا السّهم، يعني أن أتّجه، أن أنطلق، لا أن أبقى في المنتصف، حيث لا حركة ولا قرار.

لم أكن تائهًا بين الخيارات. كنتُ أختبئ خلفها. الطرقُ لم تكن مغلقةٌ يومًا، أنا من رفض أن يخطو. أُعيد الكتاب إلى مكانه، وأغلق باب المكتبة بهدوء، كأنني أعتذر إليها.

ربما لن يتغيّر الغدُ كثيرًا. الضوء سيكون هو نفسه، والسؤال سيعود، والطرُق ستبقى بلا لوحات. لكن هذه المرة، سأسمح لنفسي بأن أختار، حتى لو أخطأتُ.

يكفيني هذه المرة ألا أبقى واقفًا.

عرَفة عوَض

من ورشة تدريبية مع المدرّب هاشم هاشم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *