أنفاسي ثقيلة كهواء غرفة رطبة. أحرّك ساقيّ في تململ لأخلع جواربي عنّي، ثم أرميهما بعيدًا. أشدّ اللحاف قليلًا نحوي لأكشف عن قدميّ. تزعجني مصابيح الشوارع البيضاء؛ إنّها تذكرني بأروقة المشافي الباردة.
أشقّ النافذة فيتعرّق زجاجها ويصبح لونه حليبيًّا وضبابيًا. مجرد خمس دقائق مثل هذه كفيلة بإبطال مفعول ساعات من التدفئة. أغلق النافذة والستائر وأستدير نحو الجهة المعاكسة. أزيح غطاء السرير عنّي كاملًا هذه المرة.
يتسرّب إلىّ سعال من الغرفة المجاورة. لم تنم زميلتي في السكن بعد.
أسمع وقع خطواتها على الأرضية الخشبيّة. تفتح باب غرفتها وتلج إلى المطبخ. يؤلمني رأسي من صوت تناطح الأكواب الزجاجية، لابدّ من أنها تبحث عن فنجانها المفضّل. تفتح صنبور المياه، ثم تغلقه بعد مدّة. يتدفق هديره من أذنيّ إلى كامل جسدي. تسحب كرسيًّا على الأرض، يشعرني صوت الاحتكاك الناتج عن حوافه بالقشعريرة. ستكون ليلةً طويلةً إذًا.
هل أقرأ كتاباً؟ إنني في حالة نصف وعي.
أراقب انعكاس جسدي في المرآة. بشرتي وشعري ولون عيني. كلها تدل على غربتي في هذا البلد.
أذهب إلى آلتي الكاتبة. سأكتب رسائل إلى نفسي في المستقبل وأطبعها على بطاقة بريديّة ملوّنة.
عزيزي أنا،
هاهاها، كلا، ليس بهذا السخف. صحيح أنني ساخر في كلّ شيء، لكنني أصير جادًا حينما يتعلق الأمر بالكتابة.
السذاجة، في رأيي، هي الأسلوب الأكثر بلاغة وغريزيّة في السرد. أمّا الذين يحررون وينقّحون ويفكرون في الجمل قبل كتابتها، فليجدوا لأنفسهم مهنة أخرى. الحساسية للأشياء تنجب أدبًا مملًّا مليئًا بالتفاصيل غير المهمة. لذلك اشتريتُ آلة كاتبة بدائية، فلا يضطّرني عقلي إلى تنقيح جملي البريئة.
منذ يومين مثلاً، قبل مباشرتي بتدوين مقال نقدي، قررتُ أن أقرأ رواية. قفزتُ فوق الجمل مراراً باحثاً عن الحبكة. صفحة ونصف، والكاتب يصف المباني والشوارع وأشكال المشاة والمتسولين والقطة ذات الذنب المقطوع. أغلقتُ الكتاب ولعنتُ مؤلفهُ ودار النشر.
بدأتُ بقصّة أخرى باللغة الألمانية كي أختبر قدرتي في اللغة الأجنبية. لم أحاول ترجمة كلّ المفردات أو قراءة صفحة واحدة مرّتين على الأقل، كما نصحني مدرس اللغة. ضحكتُ عند بعض الجمل وقطّبتُ وجهي غالباً. حينما وصلتُ إلى الصفحة مائة وعشرين، ظهرتْ كلمة لم أفهمها، فتجاهلتها (كالعادة) وواصلتُ القراءة. فجأة، شعرتُ بالتوتر داخل الرواية، والحقيقة أنني لا أستخدم مصطلح “فجأة” في كتاباتي على الإطلاق، لكنني لم أجد كلمة أفضل منها لتعبّر عن عبثية ما كنت أتصفّحه.
أجل فجأة أصبحتْ الشخصيات كلها غاضبة وكانت البطلة تبكي، وكان البطل يركض وراءها ولكنها أمرته أن يتركها وشأنها. قررتُ أن أتوقف وأعود قليلاً إلى الوراء لأستوعب ما جرى. ترجمتُ الكلمات الغريبة حتى فهمتُ أن الحبيبة السابقة للبطل “صفعتْ” حبيبته الجديدة على وجهها، ففرّت باكية. أكملتُ القراءة حتى أستطيع القول بثقة إنني أرغب في اقتلاع أعين المرأة التي رشّحتْ لي هذا الكتاب.
لم أستطع النوم من شدّة الغضب.
تتحرك زميلتي في السكن مجدداً حول غرفتها. تفتح باب الثلاجة، ثم أدراج الخزانة، فتصطك المعالق والسكاكين بعضها ببعض. أشتهي الصراخ في وجهها. كنتُ قد ضبطتُ المنبه على الاستيقاظ في الصباح الباكر حتى لا تزعجني ضوضاؤها، لكن كيف عليّ أن أحدد ساعات نومها؟! الحريّة تعني لي الهدوء. طالما يوجد شخصٌ في منزلي يحرّك الأواني ويحفّ الأكياس البلاستيكية مساءً، فأنا لا أملك أيّة سلطة أو حرية.
زرتُ باريس قبل شهر. المدينة جميلة كما في فيلم “منتصف الليل في باريس”، وليس كما قالتْ لي صديقتي العربيّة إنّها لم تجدها مميزة. برج إيفل، معلم تاريخي. مباني لوكوربوزيه ساحرة. أخذتُ مظلتي الكحليّة ومشيتُ متكئاً عليها مثل العصا بجانب نهر السين. كلّما التقيتُ معلماً سياحياً طلبتُ من أحد المارّة أن يلتقط لي صورة بجانبه. أرسلتها إلى والدتي في دمشق، فقالتْ: “ملك، ابني العزيز.”
إنها تريد تزويجي منذ سنوات لكنني أستمر بالرفض.
عرفتُ الكثير من النساء منذ وصولي إلى أوروبا في الحقيقة.
كنّ جميعهنّ عربيات في البداية. استطعتُ بسهولة أن أبهرهنّ بشخصيتي المثقفة وأناقشهنّ بالأفكار الميتافيزيقية والفلسفة الديكارتية. في رواية أخرى، فإني أجد متعة في تمنّع الفتيات العربيات. فما إن أفتح فمي وأقول لإمرأة أجنبية: “عيناك جميلتان” أو “شعرك ناعم كالحرير” حتى أجدها مباشرة في سريري.
بالطبع، إنهنّ ينبهرن حينما أخبرهنّ أنني صحفي، ولكن حركات المرأة العربية من غنجٌ ومكابرةٌ يغريان شهوتي الشرقية.
حدثتني فتاة مرّة على مواقع التواصل الاجتماعي. أخبرتني أنّها تكتبُ أيضاً، فحاولتُ أن أعطيها قليلاً من الجديّة والتقيتها في مقهى قريب من منزلي. قرأتُ أحد نصوصها والحمدلله أنني لم أنتحر قبل أن أنتهي منه.
سألتها ساخراً: “أهكذا يكتب المرء عن الجنس؟!” ثمّ تداركتُ نبرة صوتي وتحدثتُ معها بسكينة حتى لا تنتحب أمامي مما يستدعيني إلى تهدئتها. أعطيتُها أسماء بعض الكتب والروايات التي تعجبني. رجوتها أن تقرأ أكثر وتعيش تجارب أطول قبل أن تعود إلى التأليف. بعد مدّة، بدأتْ جملي الشعريّة تظهر في نصوصها. اللئيمة الملعونة. انقطعتُ عن محادثتها وبدأتُ أوظف جملي في كتاباتي.
صبيّة شرقية أخرى تعزف القانون، عيناها عسليتان وواسعتان كالنهار. شعرها طويل ومجعد. أمضينا لياليَ رائعة نناقش فيها فنوناً وآلات شرقية. شاهدنا أفلاماً عظيمة. حينما أخبرتني أنّها لا تمارس الجنس خارج إطار الزواج، صُدمت، ثم أصررتُ على إظهار صدمتي علّها تلين معي. أردتُ استفزازها في شتّى الطرق كي تعود معي إلى المنزل في تلك الليلة.
قلتُ لها: ” كيف يعقل لفتاة مثقفة مثلك أن تفكّر في هذه الطريقة المتخلّفة؟! أأنت هكذا إذاً، تمارسين الجنس من أجل إنجاب الأطفال فقط؟؟!”
أصبحتْ باردةً كجثّة. لم تعد تتحدث معي أو تناقشني كعادتنا، بل تجيبني عن كلّ أسئلتي بـ “نعم” أو “لا”، كالببغاء.
حينما ازدادتْ دائرة معارفي العربية في ألمانيا، تعاظمت دهشتي أيضاً. إنهنّ يرتدين التنانير القصيرة. يكشفن عن صدورهنّ، لكنهنّ يقلن بعد ذلك إنهنّ لا يحتسين الخمر أو يمارسن الجنس. كنتُ في كلّ جلسة كهذه، أعرض على إحداهنّ رشفة من كأسي وأؤكد لها أنّها ستحبه، فبعد إصرار طويل كنّ يرضخن ويرتشفن منه. كانتْ وجوههنّ تكفهرّ مظهرة إعياءهن من طعمه، فأقهقه كما لو أنني أشاهد مقطعاً مجترّاً من إعلان تجاري مبالغ به. يرددن كأنهنّ حفظن الجملة نفسها: ” الآن جربته ولم يعجبني.”
سئمتُ من كلّ هذه المناقشات بعد مدة.
قررتُ الارتباط بإمرأة هولنديّة. بدأ الأمر في حانة عندما أقبلتْ نحوي وسألتني: “من أيّ بلد أنت؟”
“أحبّ النساء الواثقات من أنفسهن!” قلتُ في نفسي، ثم أجبتها بفخر: “ليس لي وطن، ذلك مسجّل على هويتي.” ثم أخرجتُ محفظتي لأريها. انحنتْ صوبي وقبلتني. حملتها بين ذراعيّ، ثم دفعتها على الحائط وثبتّها لألثمها. لم أهتم إذا كان أيّ شخص ينظر إلينا. بدتْ أنها مستمتعة بذلك.
أخبرتني بعد مرور أسبوعين أنها تحبني بالعربيّة، فقررنا أن ننتقل لنعيش معاً.
كانتْ علاقة باردة وجافة. بقيتُ أقرأ لها قصائدي باللغة العربية فتبتسم دون أن تفهم منها شيئاً. لما زيّنتْ كاحلها بخلخال فضيّ، أغلقتُ الستائر ومنعتُ أي شخص من دخول بيتنا. أصبحتْ تأكل الخبز المصطّح مثلي، تصطحبني معها إلى أمسيات موسيقية وتساعدني في ملء أوراقي الرسميّة. قدمتني إلى والديها لكنهما لم يتقبلا علاقتي معها.
عندما انفصلنا، طردتني وأشيائي من الشقة ونثرتْ رذاذ الفلفل في وجهي. تجربة لا أريد تكرارها مطلقاً.
ثم التقيتُ هذه المرأة العربية التي كانت بصحبة شاب أوروبي، وتحتضن في يدها كأساً من النبيذ الأحمر. قلتُ في ذاتي: “هذه هي فتاة أحلامي، ستغفو إلى جانبي وسأكتب عنها أشعاراً.”
لذلك انتظرتُ حتى ذهب الرجل الأوروبي إلى دورة المياه، فأسرعتُ إليها وسألتها عن اسمها. في صباح اليوم التالي، أرسلتٌ إليها طلب صداقة على الفيسبوك، ثم دعوتها إلى الخروج بصحبتي. لقد قبلتْ طلبي، فاعتقدتُ أنني كنتُ قريباً جداً من هدفي.
كان موعداً طويلاً ووحيداً، بحتُ لها فيه عمّا في نفسي وعمّا أعتقده عنها.
حدثتُها: ” رأيتك بصحبة ذلك الشاب الأجنبي فذهلتُ.” إذا كانتْ تحبُّ مواعدة الرجال الأوروبيين، فربما تكون متقبلة لفكرة ممارسة الجنس خارج إطار الزواج” قلتُ في نفسي.
أجابتني بحزم وبنظرة يلمؤها الاستنكار: “ماذا تقصد؟”
أصبتُ بالذعر – لقد التقطتْ ما كنتُ أفكر فيه بطريقة ما. لكنني أجبتها ضاحكاً. “أوه، ربما أحتاج أن أتعلم التصرّف بشكل اجتماعي أكثر.”
صارحتُها بمعجباتي السابقات. ابتسمتْ وأدارتْ وجهها بعيداً منّي. حاولتُ أن أحيطها بذراعيّ، أن أقترب منها وأحدّق في عينيها، لكنها تجنبتْ نظراتي. قلتُ لها: “عيناك جميلتان مثل قمر في ليلة صيفيّة”، أومأتْ برأسها لا أكثر. ظننتُه غنجاً أو ممانعة. أنها كانت تدعي عدم الاهتمام لأنني أبهرتها. لكنني لم أسمع منها خبراً بعد ذلك. رأيتها بعد مدّة بصحبة رجل أوروبي آخر.
كنتُ حزيناً في البداية، لكنني ظللتُ أرسل إليها الرسائل من وقتٍ إلى آخر. اعتقدتُ أنه ربما يمكنني أن أمضي معها ليلة واحدة فقط، بعد كلّ شيء.
تمضغ صديقتي في الغرفة المجاورة طعامها الآن، وترتشف مشروبها الساخن بصوت يكاد يفقدني أعصابي. ألعن هذه الجدران الرقيقة. أنبش درج خزانتي باحثاً عن كرتي قطن لأحشو أذنيّ بهما.
يطنّ جهاز إنذار الحرائق بين الحين والآخر. أودّ لو أكسره.
يوجد شاب مسيحيّ متعصب في السكن يضع لي منشورات دينية في صندوق بريدي. أزيحها وأرميها أرضاً في كلّ يوم. البارحة بعد منتصف الليل، رأيته يتبعني. فتحتُ الباب الأمامي للمبنى، ثم أغلقه في حالة ذعر، ثم فتحه ورائي ومشى مثل ظلّي.
ضغطتُ على زرّ المصعد، ثم قررتُ أن أصعد السلّم مسرعاً عوضاً عن الانتظار.
قبل أن أتمكن من الابتعاد، باغتني بسؤاله: “هل أنت مهتم بالمسيح؟”
“لا، شكرا.” كانت قدماي ترتعشان. وددتُ الركض أو الهرب، لكنّه تابع أسئلته دون رحمة.
“هل تريد معرفة المزيد عن الديانة المسيحية؟”
“لا، أنا مسلم.” ثم صعقتُ من إجابتي. لم أعرّف نفسي مطلقاً بكوني مسلماً. لا بدّ من أنني كنت مذعوراً. ندمتُ على اعترافي بذلك.
“هل أنت سعيد في ديانتك؟”
ثبّتُ يدي على المفتاح كوسيلة دفاع وحيدة في يدي. شُرع باب المصعد فدخلته وعضلاتي متشنجة، ثم استدرتُ وكززتُ على أسناني آمراً الشاب:
“سأصعد الآن إلى غرفتي، من الأفضل لك ألّا تلحق بي، أفهمتْ!”
دخلتُ منزلي وأحكمتُ إقفال جميع الأبواب والنوافذ. استيقظتُ من نومي مرّتين لأتأكد من أنها لا تزال مغلقة.
بعد مرور سنة على انتشار وباء الكورونا وعدم تحسّن الأوضاع، قررتُ ألّا أرضخ لمزيد من الأوامر. أصبحتُ أذهب إلى زيارة أصدقائي وعائلاتهم، أحضر حفلات سريّة وأعراساً. هنالك متعة حقيقية في مخالفة القوانين. كنتُ أعلم أنني سأبكي كثيراً إذا ما كشف أمري ووصلتني غرامة في البريد قدرها راتبي الشهري، لكنني بقيتُ أخاطر في كلّ الأحوال.
توشك الشمس على الشروق. أحتاج الذهاب إلى المرحاض، لكنني إذا خرجتُ الآن من غرفتي فسألتقي بشريكتي في السكن. ستحدثني عن جدول تنظيف المنزل بالتأكيد. سأنتظر قليلاً حتى تعود إلى حجرتها. ترى هل تستطيع سماع خطواتي في غرفتي كما أفعل؟ كنتُ أتمنى لو اخترتُ امرأة جميلة لأعيش معها، مثقفة أستطيع محاورتها. لكنّه المنزل الوحيد الذي استقبلني بهويتي.
سأذهب غداً مع صديقاتي الألمانيات لأغني الكاريوكي، أو ربما سأحضر عرضاً مسرحيّاً. هوايتي المفضلة هي أن أزور المتاحف وأتصوّر مع اللوحات كأنني جزء منها.
فرح النيحاوي
