دمشق ١
تتساقط الجدران من حولي، تنحسر؛ فيتصاعد الدخانُ تاركاً العفنَ يختلطُ مع أحشاءِ الأرضِ ويستقرُ في خاصرتي. أنا سائحٌ هنا، لا أعرفُ حقاً، إن كان يستُحقهذا الجهد سوى البكاء، فهل أنحني؟ إنَّ العودةَ إلى الحياةِ البريّةِ تبدو فكرةً مغريةً نوعاً ما. أن ترتفع الحجارةُ والأفاعي لتسمو على ظلِّها، وجسدي وحدهُ الثقيلُيفسّرُ فعلَ الجاذبيّة.
يقولونَ إنّها ستمطرُ اليوم. أشعرُ بذلك، فهذا المكانُ لا يبدو متلاشياً، ولمّا كان عليّ البحثُ عن نهايته بنفسي قررتُ أن أمارس فعل السقوط أيضاً، الرقصَ مثلاً. لايهم. سأخترعُ لغةً جديدةً لن يستطيعوا الاقتباسَ عنها، إلّا أنني أشعر الآن بدوارٍ خفيفٍ ولن أكتب. لطالما تقيّأ هذا الفراغ نفسه.
دمشق ٢
تفتّشُ عيوني عن أجوبةٍ طويلةٍ وأنا أنتظر. هبطْتُ الدرج مرتين، وعند صعودي أخبرتُ أحدهم سرّاً عقيماً، ما كان يبتسم. لا أذكر متى بدأ ذلكَ، إلّا أنني أحاولدوماً إعادتَهُ إلى سنواتيَ الأولى. الطفولةُ تسوّغُ كلَّ شيء، لا يمكنُ للشغفِ أن يكتشف.
دمشق ٣
أريدُ كثيراً من الأشجارِ والماءِ الأزرق. هذا الأصفرُ الحزينُ يسببُ لي الكآبة. مجرّدُ تذكرة ركوبٍ وينتهي الأمر. إنّهم مزعجون.
دمشق ٤، هي
استمرّتْ تسعَ ليالٍ في امتداحِ مفرداتي وأسلوبي في النقد، والحقيقةُ أنني أحببتُها لقولِها إنني رجلٌ وسيم. لم تكنْ تتقنُ ترتيبَ كلماتِها.
دمشق ٥
النهر! النهر! إنّه يمشي!
وكلّ الجموع، لم يبكِ أحدٌ سواي.
بيروت
……..
برلين ١
أتفقّد هاتفي عدّة مرات. أتمنى حقّاً لو كنت أجيد الغناء.
لا أذكرُ تحديداً متى قررتُ التوقفَ عن الكتابة. القطارُ سريعٌ جدّاً لالتقاطِ أفكاري، والتملّصُ من الأصدقاء يبدو واجباً لتعلّمِ اللغة.
برلين ٢
أمضيتُ أعوامي كلّها وأنا أحاولُ إتقانَ اللغةِ العربية، ثم أتيتُ إلى هنا،
أعيدُ ترتيبَ ذاكرتي. من المخزي أن يكونَ العددُ الأخيرُ هو سببَ قدومي إلى هنا،
هل حقاً كنتُ أستحقُّ كلَّ هذا -الحياة-؟
دمشق-برلين
ما زالَ الرقصُ في نظرِ أمّي أكثرَ الأفعالِ بدائيّةً وإثارةً للغرائز. نسيتُ حذاءَ الرقصِ في دمشق، وها أنا ذا أتفقّد لغتي.
فرح النيحاوي
