كابوس اليقظة
استيقظتْ متثاقلةً، شعرتْ لوهلةٍ بصعوبة الأمر؛ كأن عظامها قد تكسّرت في حافة صراع مع مشاعرها وآلامها. وبدتْ عاجزةً عن أن تجهز نفسها فالمركب لن ينتظر طويلًا. هي تعرف أنها تسافر في عمق زمنٍ غريبٍ لم تختبره قبل ذلك، وأنّ المركب الذي يُقلّها إلى محطتها الأخيرة قد عُطِب، أو ربما هو فقط لأولئك الذين لم يُشأ لهم أن يكونوا من المحظوظين بالسعادة ورفقتها.
فتحتْ عينيها بصعوبةٍ حالمةً بالدفء، وأيّ دفءٍ؟! جلّ أحلامها سهرة لطيفة؛ أن تسمع صوتًا يناديها مازحًا، أو غمزةً تكشف كذبتها البيضاء، أو امتعاضًا، ضمةً وقبلات. وتسأل نفسها: بأيّ حقٍّ تقذفها الأقدار إلى هذا المركب الحزين البائس؟! لمَ لم تكتمل سعادتها؟
لم تفهم يومًا وبالأخص هذا اليوم، هذا القانون المُجحف الذي يميّز بين الآخرين بفرزهم ويحشرهم في مركب التعاسة هذا، إذ لا يحق لها ولمن يشاطرها هذا الألم أن يعترض أو يعبّر أو يشكو أو يذرف الدموع علنًا ليقول: لقد اشتقتُ لها، كم أتمنى لقاءها، الحديث معها، أن أضمها وأمسك يدها، أشاطرها كلّ أفراحها وأحزانها، أن أمسّد شعرها. إنّه كابوسها اليومي، الذي بات أمرًا واقعًا عليها التعايش معه.
تسأل نفسها: كيف تجرأت الحياة وأسقطت ورقةً من شجرتها الوارقة بالعطاء؟! خضراءَ، ما زال العالم يحتاج إلى أوكسجينها ونقاءها، ورمى بها وبكلّ من أحبها في مركبٍ بائسٍ يتهاوى كلّ يوم مهددًا بالغرق، إذ لن يتسارع أحد إلى إنقاذه خوفًا على مراكبهم من الحزن والألم.
كلّ يومٍ بالنسبة لها كابوسٌ غليظٌ ثقيلٌ، لا يأبه بحزنها ومشاعرها. عليها أن تتقبّل فجاجته ومرارته، وتستمر عنوةً. وربما تأتي مرات سعيدة لإيمانها أنّها ستصل يومًا إلى مستقرّها، حيث السلام وأمان روحها.
السيّد الحزن
في أحد أيام شهر يونيو، حزيران الصيفيّ الذي اعتدناه للفرح والرحلات والتخطيط لتقوية الأمل ودعمه، من خلال الاستجمام والسفر واللقاءات، اقتحم بيتي ضيفٌ ثقيلٌ غير مرحبٍ به، مخيفُ الملامح، يتطاير الشرر من عينيه، استولى على بيتي وسلبني ما تبقى لي من الفرح والبهجة.
لم تتح لي هذه المرة فرصة مقاومته، كان ضيفًا غريبًا غير مستحبٍّ أو مرحّبٍ به. كلّ شيء بدا وكأنه النهاية، بات عليّ حينها أن أهدئ من غضبه ومن روع أهل بيته، أن أجامل هذا المجنون الذي دخل دون إذن أو موافقة منّي. طلبتُ منه، خائفةً أرتجف، أمسكت يده وجلسنا سويًّا لاحتساء شرابٍ ساخنٍ. حينها شعرت بمرارة طعمه ومازلتُ. قدّمت له من الموجود في بيتنا لعله يغادر سريعًا. طال مكوثه، وفهمتُ جيدًا، أنّه ضيفٌ أبديٌّ حلّ علينا، على حياتنا، في بيتنا وأيامنا ويومياتنا، وكلّ ما يجول ببالنا. إنّه السيّد الحزن.
بدأتُ أتقبله، وأتفهم وجوده. بات شريكي رغمًا عنّي، لم أستطع التعامل معه مرّاتٍ بعنفٍ ومرّاتٍ كثيرةً بذكاءٍ وصبرٍ. طاوعته وطاوعني واستسلمنا في النهاية لصداقتنا، وعرفنا أننا وحدنا من يستطيع السير في هذا الطريق سويًّا. ولا مفر من وجودنا معًا، وأنّ الحبّ والامتنان يرافقاننا. أهديته مساحة في بيتي، عقلي، روحي، يومياتي، ووقعنا ميثاقًا على الالتزام والاحترام، والتركيز على الهدف الأسمى لنا؛ ألا وهو البحث سويًا عن السلام والأمان لروحينا معًا، والسير إن أمكن في طريق آمن، قد لا تزيّنه السعادة دومًا، حتى نفارق هذا العالم، وللقصة تتمّة؛ فالحزن باقٍ وأطواره غريبة ومحقة.
لبانة عيشة
