غراب
مجهول، يأتي ضيفًا في أي وقت، مثير للاكتشاف. وأحيانًا مريحٌ وجوده، يمكنك في أي لحظة اختياره، ويمكنك أخذ قرار تجاهه يحثه فضولنا دومًا. ماذا بعد؟ كيف يبدو؟ كيف طعمه؟ ما لونه؟ أحقًا أسود؟ أم أنّه كالأبدية البيضاء.
إنّه الموت. تجمعت الحشود بأعداد كبيرة، حاملة معها العجز والاستياء، الخمول، الركود، والشح، والقلّة.
حينها أتى، أتى كي يكتشف ماذا حصل؟! العيون كانت تحدق فيه بشرارة، وتبعث في نفسه الخوف، قاتلوها ما زالوا هنا ورائحة الدم المسفوك ما زالت على أجسادهم النتنة، ولونه يتلألأ من على أيديهم، واضحًا، مشعًا، ماذا يوجد هنا؟
لقد وقعت الجريمة، الفتاة قد قتلت، جثتها ما زالت مطروحة أرضًا، مبثوق من ثغرها دم عذب فنفحات الحياة فيها قد أعلنت الخروج، وتقشرت منها الروح وفارقها الوجود إلى أن أصبحتْ شكلاً جامدًا، توقف منه النبض بيننا. غادرتنا هذه الروح في صباها، هذا المساء، تاركة شذاها للذكريات، عيناها للغرق، مفاتنها لوحات بالمتاحف، فالجميلة خرجت مذبوحة الخاصرة، مشلولة الحياة إلى الأبد.
غادر المكان، حيث نزل على دراجة هوائية صغيرة، من الطريق، منحدرًا غاضبًا. لقد تسارعت الرؤى وبهتت. احتمالية وقوع الحادث تزداد مع ازدياد سرعته، ليس لديه مكابح لتخفيف هذه السرعة، التي فاقت وزنه، وفاقت قدرة الدراجة. انسلخ وجهه من الرياح وتلاشت التفاصيل من على الطريق، لكنه لم يكترث حينها.
فزيادة احتمالية الموت يمكنه من اللحاق بها. نجا، ووصل إلى عتبة البيت بخير ليلًا. نزل لتفقد بعض الأشياء بعيدًا، قليلًا، وعند تفقدها، دهس غرابًا مرميًّا على الأرض بأسفل قدميه دون انتباه. لقد انكسر منقاره الأسود اللون. إذ كان المشهد صادمًا، محرجاً، حمله بين ذراعيه متأسفًا، فالنية لم تكن أبدًا الأذى.
هدأ الغراب واستقر في كنف صدره، مشى به إلى عتبة البيت كي يداويه وعند الوصول، إذ بدأ يتحرك. يريد الطيران، ففطرته قد ألحّت عليه بالهرب كي يبقى حرّاً، لكنه أعاده من جناحيه، ملزماً إياه بالمكوث، وذلك لأن منقاره يحتاج العناية لمدة عام على الأكثر، كي يعود مثلما كان.
الطير أصرّ متخبطًا يريد الطيران، بدأ رويدًا رويدًا يفقد السيطرة عليه، لكن أمسكه في آخر لحظة، من قدميه، فجناحيه، فرأسه، وذلك كي يتأكد من سلامة منقاره الذي كان مكسورًا. لكن فجأة وجد أنه عاد كما كان سليمًا معافًى دون أي عيب أو ضعف، وكأن المعجزة قد حلّت به، فعندها سمح له بالتحليق.
رحل الغراب تاركًا أثرًا عاطفيًا في قلبه، حيث حلّق عاليًا إلى المجد إلى السماء، إلى البعيد البعيد، منغسماً في حلكة الليل. بعدها لم تكن المفاجأة أن الطير الذي كان يحميه قد تعافى وتحرر وحسب، بل إنّه كان للتو قد احتضن ثلاثة غربان في حضنه دون أن يدرك، فكومة الريش السوداء تحولت إلى ثلاثة طيور بدلًا من واحدٍ. وهذه الطيور قد حلّقت جميعها خائفةً في البداية، لكن بعدها عادت، وعاد معها ثلاثة ببغاواتٍ ملوّنةٍ تحوم جميعها عند باب البيت. بين الموت والحياة باب، في كل لحظة نستطيع الاختيار، أين ومتى، فالموت يأخذ الأحبة والحياة تعيد لنا البهجة بعد كل حزن.
نظرة إلى الشمس
صعد إلى حافة عالية، وذلك كي يتأمل المشهد من المرتفع، يشاهد جمال الطبيعة والأمواج، يرى الشمس الباهية، ويحدق بها، فتصغر عيناه ويتكئ جفناه على بعضهما، وينكمش حاجباه ليعصرا من الجبين غلّة وغضبًا. فيبصق من جلده رطوبة لتبخير هذا التعب.
قفز نحو الشمس محاولًا الوصول إليها، بل عناقها، فسقط من على الحافة إلى الأسفل نحو البحر. سقط فجأة عن ارتفاع أمتار، فكانت اللحظة تهديدًا بالموت، وتوسيعًا للوقت، وتذكيرًا بالوجود. الهواء حفر ثقبًا في جسده، مخرزًا في معدته، حتى تلقته المياه واحتضنته بين نهديها وكأنها صدر كبير يستقبل كلّ الضحايا وكلّ المنتحرين.
هنا بين الوعي وفقدانه، قطبا الموت والحياة يلتقيان، المياه تحيي وأيضًا تميت، فقد كانت النهاية غرقًا، والنهد كان أولى مشاهد الطفل في الحياة، فماذا سيختار المنتحر الآن؟ أَيُنهي طريقه تحت الماء أم يبدأ الحياة فوقها من مشهد جديد؟! ينظر فيه نحو الأعلى، تحت كنف نهد يطعمه وحضن يحتويه.
الموت، هذه الكلمة الصغيرة التي تخطف عقلي كلّ ليلة. وبعد فراق كلّ شخص أفكر وأرتحل، ما تعريفه؟ ما لونه؟ ما طعمه؟ أين مكانه؟ ومتى يجتاحنا للاختطاف؟ وذلك حتى أتعب وأنام. أنتقل طائرًا إلى خيال لا أعرف ماهيّته. إلى منام سينمائي يومي لا نهاية له فكلّ يوم أتابع مناماتي من حيث ما انتهيت.
تكررت الحالة سنوات حتى بدأت أدرب نفسي أن أعي ما أفعله وأنا في الحلم. أنوي فعل شيء ما وأنا هناك، حتى إن قابلتُ نفسي، رحتُ من حيثما أنا. أنا الوعي الكائن بي، منفصل عنّي وأنا نائم. أبحرتُ وقابلت جسدي، قابلتُ نفسي بعيون الآخرين. فرأيتُ الصورة الذاتية المتخيلة ذاتها من المرايا ومن أحاديث الناس. لاحظتُ الرجفة ذاتها في يدي وأنا أصافح نفسي. الرجفة التي أنتبه لها من أسفل عيني عندما أكون مستيقظًا.
شاهدتُ جسدي الطويل النحيل، شعري الأشعث الرمادي، جبيني الصغير ونظارتي السميكة. تحسستُ نفسي، فسألتني، هل أنت أنا؟ إنني أشتهيك وأشتهي حدودي الشخصية معك. مساحتي فيك، بصمتي عليك، ليتك عمتَ، أيها الموت.
أيها الموت، لا تبتلعني في عمق البحر فأنا كل ما أردته هو أن أصل إلى حدود التماس كي ألقي نظرة من نافذة الموت، هل كلّ الموتى بخير أم أنه أحياءٌ قبلنا؟ يحاولون ذلك بعد تأمل الشمس من على الحافة.
داني الشيباني
