Literally Peace

لاجئة من تصوّرات الآخرين

أنا لا أتذكر الكثير من أحداث طفولتي، ولا مراهقتي، ولا حتّى سنوات شبابي الأولى. اندفعتُ بسرعةٍ، حرقتُ المراحل، وتنقَّلت بعشوائيّةٍ مُفرِطَة، لكن شيئًا واحدًا ظل واضحًا في ذاكرتي: إنه شعوري بالتمرد؛ كان يكبر معي يومًا بعد يوم، كأنَّه الجواب الوحيد الذي أعرفه عن كلِّ الأسئلة التي لم أكن أملك لغةً لها بعد. 

كنت أحتاج إلى الحرية، فكنت أُردِّد في كلِّ مناسبةٍ، صغيرةٍ كانت أم كبيرة: “أنا حُرَّة!” لم تكن مجرد كلمات، بل شعورًا عميقاً ودافعًا داخليًّا يضرب صدري كلما شعرت بأنَّ قيدًا ما يحاصرني. كنت أشعر بحاجتي لقولها لكي أُثبت لنفسي قبل الجميع أن هذا الصوت لي وأنني قادرة على محاولة كسر السلاسل التي التفَّت حول رقبةِ كثير من النساء من حولي.

فالأم مخلصة متفانية في العطاء، لا دور آخر لها؛ لا أحلام ولا أمنيات ولا حتّى وقت خاص. والأخت الكبرى، تأخذ في كثير من الأحيان دور الأم، تَنسى طفولتَها، تتجرَّدُ من أحلامها، وتعيش التضحية مبكراً جدًّا.

والخالة والعمة والجارة، كلّهن اقتصرت أدوارهن على ما سمح به المجتمع من تصور. لم تُسأل أي واحدة منهن عن رغبتها في شيء. كان كل شيء مرسومًا مسبقًا، لدرجةِ أنَّ مجرد قول امرأة: “أرفض الزَّواج، أو لا أرغب في أن أكون أمًّا، أو مثلاً سأركب درّاجة هوائيّة بدل الحافلة…” يبدو كأنَّه صدمة أو خبر عاجل يستحق الانتشار. 

ولعل الجملة الأشهر التي ترددت على مسامع الكثيرات هي: “ستفهمين لاحقًا، حين تكبرين، أو حين تُسافرين إلى أوروبا مثلًا.”

كبرتُ وسافرتُ ووصلتُ إلى أوروبا فعلًا. ولدهشتي لم تنتهِ الحكاية هناك، بل بدأت بشكلٍ آخر تمامًا. لم يسألني أحد عن أحلامي كما كنت أتوقَّع؛ بل سُئلت عن خلفيَّتي وعن عائلتي وعن الصورة التي يُفترض أن أمثّلَها كامرأةٍ عربية.

لم أجد الحرية كما تخيلتها، بل وجدت نظرةً أخرى تسبق كلامي، وتحدِّد دوري قبل أن أعيشه.

كنت في بلادٍ جديدة، لكن داخل إطارٍ قديم. المرأة العربية، المهاجرة التي تحتاج إلى إنقاذ. عدسة غريبة، صادمة، تنقلني من قيد إلى آخر ومن صورةٍ اجتماعية إلى صورة جاهزة تشبه كثيراً تلك الموجودة في الإعلام والكتب والنظريّات، وكذلك في نفوس الكثيرين من هذا المجتمع البارد.

لم يخطر في بالي بداية حين كنت أتلقّى إطراءً أو مديحًا بأنني أبدو “متحررةً” من عقدِ المجتمع الذي جئتُ منه، أنَّ ذلك ليس إعجابًا بشخصي، ولا دعمًا حقيقيًا لذاتي، إنما كان تعبيرًا غامضًا عن صدمةِ اختلاف توقعاتِهم المُسبَقة عن الواقع. وفهمتُ هذا أكثر بعد حديثٍ طويل مع إحدى زميلاتي في العمل؛ قالت إنها لا تجد مشكلةً مع من “يبدون” مثلي، أمّا الأخريات؟ إن لم تبد عليهن علامات الانفتاح، فلن تعرف حقاً كيفية التعامل معهن.

توقفتُ طويلًا عند عبارتها وفكرتُ كيف يقاس الانفتاح؟ ومن يمتلك الحق في تحديده؟

لم أعرف كيف أشرح لها، أن الحرية ليست وشمًا على الجلد، ولا قطعة قماش تُقاسُ بها النوايا.

لم أعرف كيف أقول لها إن حرية المرأة لا تُقرأ من ضحكتها، ولا من أكمامها، ولا من لون شفتيها، بل من مساحةٍ داخلية لا يجرؤ أحد على اختراقها.

شعرتُ في ذلك اليوم وكأنني أسير بين عالمين، عالم قديم هربت منه، وعالم جديد يضعني في إطارٍ آخر. كأنني لاجئة من تصوّرات الآخرين لا من وطن.

كان عليَّ أن أُواجه الحقيقة، أنني هربتُ لسنوات من الدورِ الذي أراد لي المجتمعُ القديم أن ألبسه، لكنني اليوم أهرب أيضًا من الدورِ الذي يُراد لي هنا. قالب آخر بلونٍ مختلف لكنه لا يزال قالب.

سألتُ نفسي في طريقي إلى البيت: هل يمكن للإنسان عامةً وللمرأة الشرقية خاصةً النجاة من توقعات الآخرين؟ هل هنالك مكان لا نجبر فيه على الشرح والدفاع والتفسير؟

وعندما وصلت البيت، وجدتني للمرة الأولى منذ وقت طويل أرغب في الجلوس مع نفسي. أسألُها من أنا الآن؟ وماذا بقي من تلك الفتاة التي كانت تصرخ: “أنا حُرّة!” في وجه كلِّ شيء؟

بدأت ذاكرتي تعود ببطء وتخرج من مخابئها، تمتد نحوي وتقول: “لستُ مُضطرّة للركض الآن.”

شعرتُ أنني للمرة الأولى، أعيش شبابي الحقيقي؛ ذلك الشباب الذي لم أملكه يومًا لأنني قضيت سنواتٍ أحارب كي أثبت شيئًا لم أعرف اسمه.

لم أعد أرغب في أن أكون الاستثناء ولا المتحرِّرة ولا المرأة العربية القويّة ولا الناجية ولا الضحية. أريد أن أكون أنا، امرأة / إنسانة تبحث عن ذاتها، تكتب، تتعلّم، تُخطئ، تُصحّح، تشعر، وتتغيّر هكذا ببساطة ودون الحاجة إلى تبرير أو شرح.

رهف عيطة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *