Literally Peace

اجتماع مع الذاكرة

يجتاحني الماضي، يقلقني ويغتال راحتي وسكينتي.

في كلّ مرة تزورني ذكرى ما، وغالبًا ما تكون بغيضة، دون سابق إنذار أو رغبة، تشلّ فيَّ القدرة على التواجد والاستمرار. أشعر بأطرافي تصغر، تكاد تختفي، ورأسي كبالونٍ ضخم يكبر ويكبر حتى لا تسعه مساحة. أنظر إلى نفسي، أتفقدها شبرًا شبرًا؛ للعيان تبدو كما يجب، أما كيف أحسّها، فشعور لا يُطاق.

أتحدث مع نفسي، وأحاول بجهدٍ كبير الاحتيال على الفكرة، استدعاء شيءٍ مختلف، أي شيء يساعدني على الحضور في اللحظة. أتنحنح كأنني أستعد لإلقاء خطاب ما، أغيّر وضعية جلوسي، وأرتشف قليلًا من قهوتي، لكنعبثًا أسعى.

إنه يوم عملٍ روتيني؛ أنا منكبّة على حاسوبي ومعطفي معلّق خلفي على ظهر الكرسي، رغم أن مديرتي علّقت مرارًا أن هناك مكانًا مخصصًا للمعاطف، وأنه سيكون من الجميل لو استخدمناه.

نافذة ضخمة على يساري تطل على ساحة خلفية واسعة، تزيّنها أشجار على الجانبين، وتتكدّس فيها سيارات ودراجات هوائية. أوجّه نظري على زاوية وحيدة كلما أردت إراحة عيني من ضوء الشاشة، عندها يقبع مكبٌّ لأشياء غادرها أصحابها، لكنها لم تفقد صلاحيتها بعد. والدليل أنها تجذب المارّة واحدًا تلو الآخر على اختلاف أجناسهم وأعمارهم وهيئاتهم؛ فضولٌ مشتركٌ، وغموضٌ ما داخل سلّة القش الكبيرة يدفعهم لتفحّص محتواها.

أحسّ فجأة بانفصالي التام عن الواقع من حولي. أسمع صوتًا داخليًا يحدّثني، بل يوبّخني، ويثير الذعر في نفسي. يصرّ على انتزاعي من الحاضر، وإعادتي إلى إحدى اللحظات القديمة، لأبدأ بتفسيرها وتحليلها، ورسم سيناريوهات بديلة لها. أسأل نفسي كيف كان يمكن أن تنتهي، بشكل لا يشبه الحقيقة، ولا يقود إلى النتيجة التي أعيشها الآن.

أنا هنا في وضح النهار، والماضي يعيش في داخلي. تتراكم الصور والمشاهد كأنني أختبرها من جديد؛ حاضرة بقوة، صارخة ومصرّة، كخصمٍ عملاق يصارعني، يثبّتني، ويدخلني في دوّامة من الحيرة والقلق، وينهي الجولة بانتصاره، منتزعًا منّي آخر ما تبقّى من سلام، تاركًا إيّاي في وضع الاستسلام.

استسلامٌ لأفكار وذكريات مؤلمة، تتجوّل في رأسي كأشباحٍ في ساحة مظلمة.

مرةً تعيدني ذاكرتي إلى لحظة اخترت فيها الابتعاد بدل الاقتراب، ومرةً تأخذني مخيّلتي إلى مكانٍ غادرته عنوةً، دون أن أحظى بلحظة وداع.

أسمع اسمي.

آه، الاجتماع الصباحي اليومي. تأخّرت مجددًا. حسنًا، لن يفوتني شيء؛ سيعيدون كتابة كلّ ما يهمّ في رسالة إلكترونية طويلة ومملّة، وكالعادة، لن تضحكني نكاتهم.

نضغط جميعًا على الرابط المخصص للاجتماع عبر الإنترنت؛ بعضنا يعمل من المنزل. نلقي تحية الصباح فوق بعضنا البعض، تتداخل الأصوات، إلى أن يبدأ الإنصات الأخرس لما تمليه علينا ربّة العمل.

البعض يفعّل الكاميرا، وآخرون يفتعلون الأعذار. لا أبدو جميلة اليوم، تسريحة شعري لا تعجبني، تقول إحداهن، بينما تردد الأخرى أنها لا ترتدي ما يليق بالظهور، وثالثة متوعكة قليلًا، نصف مستلقية على الكنبة. يضحك الجميع.

إلّا أنا.

رهف عيطة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *