Skip to main content

Literally Peace

جذوة

*جذوة (الشعلة الصغيرة، لكنها عصيّة على الانطفاء)

عزيزي،
أعلم أنّك تعرفني جيّدًا، وتدرك أنني شخصٌ لا يحبّ وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا. إذ ليس لديّ إلى الآن حسابٌ على الفيسبوك. قد يكون ذلك غريبًا، ولكنني أكتفي بالإيميل، أحدد به الوقت المناسب للإرسال والتواصل. 

أفتقدك يا صديقي، لكننا متشاطئون مع الفقد. حذرتني كثيرًا من الانطفاء، فالتزمتُ بنصيحتك. قلتَ لي في السابق: إننا نعشق السنابل، لأن كلّ سنبلة جديلة لامرأة سورية لا مثيل لها. كثيرًا ما حدّثتني، مرةً بوعي وأخرى بلا وعي عن حبيبتك التي فقدتها وراءك، فأصبحتَ تعاني من غربتين، غربة واغتراب. 

لقد قالوا يا صديقي إن القلب هو الجهاز الوحيد الذي يعمل وهو مكسور، لستُ ممن يتبرّم كثيرًا، فها أنا أواصل دورة حياتي الثانية في غربتي، إنسانٌ آليٌّ جامد، مشتتُ الذهن، أستيقظ فجرًا لأذهب إلى العمل، بعد أن كنتُ أذهب إلى كورس تعلّم اللغة الأجنبية، وأعود ناسيًا الكثير من الكلمات والجمل. 

صمتي الطويل الهادئ، شرودي المتواصل وعدم انجذابي لأيّة مناسبة، قد جعل منّي أنا الاجتماعي المبتسم دائمًا، رجلًا انعزاليًا، أؤدي ما يتوجب عليّ، ثم أعود إلى غرفتي وحيدًا محاولًا النوم. أشعر أن قلبي الممرّغ، ليس مستعدًا ليتعرّف إلى أيّة لغة أخرى. وقد يكون ذلك قرارًا غير منطقي في هذا البلد الأجنبي، الذي لا يتكلم بلغتنا الأم، أو ربما هو تصديق غير مباشر، بما قلته لي ذات مرة عن لغتنا العربية التي أسميتها الزوجة الغيور. 

أصدقكَ القول يا صديقي، مع أنني وافقتكَ على تلك التسمية المختصرة التي شرحت كيف تغار اللغة العربية على عاشقها، من أيّة لغة أخرى، فتستأثر به لوحدها، إلّا أنني أفضّل أن أسميها الوطن أو الأم. عندما قرأتُ كلامك عن اللغة الوطن، تشوقت بأن أكون في عالم لغويّ جميل مصنوع من اليوتوبيا، ليس فيه ظلم ولا فقد، يتألف من ثمانية وعشرين حرفًا، حدوده إيقاعاتُ موسيقى الشعر، أما غيومه السابحة، فهي صور بلاغية حُبلى بالكلمات. 

ها أنا ذا الآن أركن ما تبقى مني في بيتي الخشبيّ، مسترسلًا في الصمت، ولا أنسى إقحام نفسي في القراءة ثم الكتابة عن طريق نبش الذكريات الدافئة التي تعيد إليّ التوازن في هذا البلد البارد جدًا. لقد صرتُ يا صديقي أعرف علّتي النفسية أكثر من أيّ طبيبٍ غريب عن روحي، مداومٌ على فحصي وإعادة تأهيلي نفسيًّا مرارًا. مرّة تجاسرتُ على أن أطلب ورقة وقلمًا، من المترجم الذي بجانب الطبيب، ثم كتبتُ: أيّها الطبيب الذي أتعبني وأتعبتُه، هل رأيتَ طفلًا فقد قدمه في إحدى الحروب ثم بدأ يبكي بعد أشهر طالبًا من أمّه أن تحكّ إصبع قدمه المبتورة؟ حالتي تشبه ذلك الطفل، لكنني أختلف عنه في أنّ قلبي هو المبتور هناك. 

أخي إبراهيم، دمتَ بخير، وأعدكَ بأنني لن أنطفئ.

عبد الحافظ كلش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *