Literally Peace

غرفة بنيّة أكثر ممّا ينبغي

هذه الغرفة بنيّةٌ أكثر مما ينبغي. أثاثها خشبيّ، وثمّة معاطف جلديّة عسليّة اللون معلّّقةٌ كأجسادٍ ميتة٬ وشاشاتٌ كثيرةٌ تبعث ضوءًا أزرقَ باردًا يُثقل الهواء. حتى المرايا المقابلة للسرير تعيد تشكيلَ ذلك اللون القاتم كأنّه قَدَرٌ لا فكاك منه.

في البداية ظننتُني الغريبة الوحيدة هنا٬ لكنّ اللوحة المائلة على الحائط تشبهني وتشاركني المصير. ميلُها الطفيف إلى اليسار لا يلفت الانتباه، تمامًا كالحياة في الهامش. 

أغمض عينيّ قليلًا، فتتسلّل الأصواتُ إلى فقاعة صمتي شيئًا فشيئًا: قرقعة ملاعق وسكاكين، هدير ماءٍ يجري، وأحاديث مارقة لم أعرها بالًا يومًا. لا جديد. كلّ شيء يتحرّك كالآلة.

ليست الفوضى ما يزعجني٬ بل تلك اللوحة المائلة التي تحدّق بي. أجلس على طرف السرير وأضع يديّ على ركبتيّ كمن تستعدّ لمقابلة عملٍ مصيريةٍ ترهق الأنفاس، أو امتحانٍ مفاجئٍ لا تعرف من إجاباته شيئًا.

يعود الأمس إلى ذاكرتي بوضوحٍ٬ وتعود معه ملامح تلك المرأة المجهولة.
امرأةٌ خمسينيةٌ متوسّطة القامة جالسةٌ على المقعد الجانبي في الحافلة المكتظة بالوجوه الشاردة. المقعد المجاور لها فارغ. وقفتُ حاملةً أكياسَ البقالة المتكدّسة بين أصابعي، منتظرةً منها أن تفسح لي مجالًا للجلوس قبل الوصول إلى المحطة القادمة.

لكنّها لم تتحرّك. ظلّت عيناها متسمّرتَين تحت غرّةٍ شقراء كثيفة. ناديتُها مرارًا لكنها لم تتحرك، حتى ظننتُها لا تسمع، فرسمتُ ابتسامةً لطيفةً على وجهي المرهق، ووقفتُ قبالتها ثم كرّرتُ الطَلب بكلّ ما أوتيت من لباقة.

لكنّ كلماتها المسمومة انهالت عليّ دفعةً واحدةً بمزيجٍ من السخرية والعنصرية التي تفسّر قرفها من جلوسي بجانبها. تجمّد جسدي واختنقَت الكلمات في حنجرتي. أخذتُ أكرّر كلامها في ذهني، وأنا أقف مكاني عاجزةً عن استيعاب ما حدث أو حتى القيام بأيّ ردّ فعل. 
لم أستفِق من صدمتي إلا على وقع خطواتها وهي تهرب من توبيخ مَن كانوا حولي بعد أن هبّوا للدّفاع عنّي منتقدين رجعيّتها المقنّعة بثوب التحضّر والأناقة، ثم أخذوا يواسون صمتي الممتدّ بلا نهاية.


لم يكن صمتي شجاعةً ولا حكمة، إنما كان غربةً لغويةً وعجزًا متنكرًا بالكبرياء.

فالمرأة الجريئة واللمّاحة التي في داخلي حوّلَتها الغربةُ إلى نسخةٍ تتلعثم إحراجًا وتعتذر من دون سببٍ محقٍّ وتنسحب كثيرًا.

هدير الماء يعود مجددًا. أفكّر: لعلّي لو عدّلتُ اللوحة يتغيّر شيءٌ ما؟ صحيحٌ أن مَيلها طفيفٌ يكاد لا يُرى، لكنّه حقيقيّ ومؤلم.

أحني رأسي قليلاً. 
منذ متى بدأ هذا الصمت وكيف تسلّل إليّ؟ هل كان يسكنني منذ زمن بعيد ٬ أبعد مما أعتقد؟ 

متى تعلّمتُ ابتلاع الألم خوفًا من أن يفضحني، وأن أؤجّل المواجهة إلى لحظةٍ لن تأتي؟ متى اكتفيتُ بالمراقبة من الهامش؟

لزمنٍ طويلٍ اعتقدتُ فيه أن غربتي بدأَت في اليوم الذي انتُزِعت فيه من بَحري وأُجبرتُ كسمكةٍ تائهةٍ أن أتعلّم الطيران. لكنّني الآن أدركُ أنّ غربتي بدأَت قبل ذلك بكثير. منذ ١٣ عامًا تحديدًا – عندما بدأتُ أرى زوايا البيت محرومةً من صورتِه وصوتِه. 

يومها سُجنتُ داخل فقدي المفاجئ لأبٍ كان لي الصّديق الوحيد.

منذ تلك الحادثة، لم أعُد إنسانةً يحقّ لها التعبير٬ بل تحوّلتُ إلى آلةٍ صامتةٍ تلبّي احتياجات كلّ من حولها من دون الالتفات إلى ذاتها، وإلا انهارَت العائلة وربما العالَم.

كنتُ مسؤولةً عن عدّ الدموع ومراقبة الكآبة التي عمّت المنزل٬ وكذلك رعاية طفلٍ حُرِمَ من لقاء جدّه في آخر لحظة، ومسامحة زوجٍ مللتُ عدّ أخطاءه.

لا أذكر يومًا كنتُ مسؤولةً فيه عن وجَعَي وتضميد جراحي المتراكمة٬ فمَن يحنو عليّ بعد الآن؟ ومَن ذا الذي يجبرني على الصراخ؟

لم تكن سنوات انتظارٍ مرّت فحسب٬ بل كان تقويمًا داخليًا يفرّق بين تلك اللحظة وما جاء بعدها.

هو نظامٌ كاملٌ بدأَت بعده الغربة، وتفشّى بفعله  الصّمت. لم يكن من ملجأٍ لي إلّا الحُلُم٬ فتارةً أجدني جالسةً معه في بيتٍ قديمٍ أحادثه بما طاب لي من حديث، وتارةً أخرى أرافقه لمشاهدة الزهور النادرة في بستان الخيال٬ وفي أحيانٍ كثيرةٍ كنتُ أقرأ له بصوتٍ عالٍ كُتبًا اقترح عليّ قراءتها في زمنٍ مضى.

في بعض الأيام، كنتُ أحتاج إلى أحلام اليقظة، فأتخيّل عودته في مشهدٍ سينمائيٍّ مهيب٬ يطرق فيه الباب على حين غرّة، في وقت العشاء ذاته الذي غادَرَنا فيه٬ وتكون أمّي قد أعدّت سلطة الفتوش التي يحبّها، فأفتح الباب بغير اكتراث، لكن ما أن أشمّ رائحته العتيقة حتى يصيبني الذهول، لينتهي المشهد بعناقٍ أسطوري ودموعٍ لا تنتهي.

لكنّ الواقع أقلّ شاعرية٬ فبدَل أن يصلَني خبرُ الإفراج عنه، وصلَتني وثيقة وفاته مقتولًا مجهولًا منذ ثلاثة عشر عامًا كاملة. وصلَتني وثيقة اغتيال أبي لتسخر من أيام الانتظار المُرهِقة.

كيف أبتلع الفكرة من دون أن تخنقني؟ كيف يُمحى زمنٌ كاملٌ من المعاناة بقصاصة ورق؟ وكيف أقنع نفسي بالرجوع إلى ما قبل ذلك اليوم؟ 

كيف أعود فتاةً تملأ الدنيا طموحًا وأحلامًا وابتساماتٍ، ولا تسكت.

كيف أعود إليّ؟ 

أمدّ يدي إلى اللوحة وأحرّكها قليلًا، فتبدو أكثر بهاءً. 

ربّما أنا لستُ اللّوحة المائلة، بل اليد التي تعدّلها لتستقيم.

أستلقي على فراشي، وأقرّر النوم لأستفيق باكرًا وألحَق بحافلَتي.

هبة علاء الدين

من ورشة تدريبية مع المدرّب هاشم هاشم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *