Literally Peace

المرأة كصانعة لخيالها الخاص 

لم تكن المرأة العربية يومًا ورقة فارغة بانتظار الشرق أو الغرب أن يخطّا عليها ما يشاءون من حكايات. 
هذا التصوّر نفسه خرافة يجب زعزعتها من أصولها، فالتاريخ كلّه يكشف كيف استُخدم جسدها كمادة للخيال العام، بينما حُجِب صوتها بكل الوسائل الممكنة.
لكنها ورغم القوالب الجاهزة التي حاصرتها عبر كل الأزمنة والثقافات، استطاعت أن تشعل لها لهيبًا خافتًا من خيالها الخاص الذي كان يعمل بصمت، يتحرك في المناطق التي لا تصل إليها أعين التوقعات، ويشكل أداة للنجاة داخل طبقات خانقة من المعايير٬ لأن مشكلتها لم تكن يومًا في نقص قدرتها على السرد، بل في كثرة الأيدي التي انتزعت منها القلم وكتبت قصتها نيابةً عنها، متجاهلة أن سؤالها الجوهري لم يكن: “كيف يرونني؟” بل: “من أكون حين لا ينظر إليّ أحد؟”.

تلك القوالب الشرقية المتوارثة أبدعت في تعريفها كأيقونة الشرف والسمعة الأوحد عندما دربتها على الطاعة كواجب لا يحتاج للفهم، والصمت كفضيلة تغنيها عن التعبير، والاختباء كصيغة وحيدة للنجاة، ثم أُحيطت بمراقبة مستمرة، وأوامر صماء تُلقى عليها بلا نقاش: احتشمي، اخضعي، اصمتي، لا تتحركي الخ…
ليُعاد تشكيلها في النهاية ككائن معلق بين الخضوع والحاجة المطلقة للرجل، وكزينة تُجمِّل الآخرين لا نفسها.

وقد ساهمت الدراما العربية في تثبيت هذه الصورة النمطية للمرأة الصامتة  المستحملة ، كما رأينا في شخصياتٍ كثيرة مثل “هدى” الزوجة الثانية لعصام في “باب الحارة”، ذلك النموذج التجاري المكرر الذي لا يهدّد النظام الذكوري، لكونه بلا رأي، بلا اعتراض، بلا رغبة وتُقاس مثاليته بمدى طاعته لا بإنسانيته، في مقابل نموذج “ربى ‏الشخصية التي جسدتها سلافة معمار في مسلسل أرواح  عارية.
 ‏نموذج ربى يكشف وجوهاً أكثر عمقاً للقهر إذ رُسمت كامرأة تلاحقها العيون أينما ذهبت لأنها رمز للفتنة والمظلومية وعندما قررت أن تتوقف عن أداء ما قُدّر لها و رَدّ الأذى بمثله خسرت كل شيء…
خسرت زواجها الذي لم تكن شريكة فيه أصلاً٬ واحترام الجيران المربوط بعدد الجدران التي تصمت داخلها٬ وخسرت سمعتها العالقة على ألسنة الجميع .
خسرت الأمان لأن جسدها الحر مرهون برحمة إخوتها٬ وخسرت نفسها مدة طويلة لأنها تحارب سردية كاملة تحاول محاكمتها٬ لا شخصاً واحداً لم يستطع فهمها.

أما شخصية رياض المرادي لجمال سليمان في مسلسل عصي الدمع فقد أثرت الفكرة ايضاً٬ لأنها كانت شخصية جدلية  معقدة للرجل الليبرالي الذي يتقن لعبة السيطرة الهادئة.
رياض نموذج خطير يفضح الذكورية الليبرالية التي ترتدي بدلة وربطة عنق وتخفي نفسها خلف الثقافة والاحترام الكاذب٬ لكنها تتعمد رسم محدودية واضحة وإطار مغلق لشريكته فهو يستمع للمرأة دوماً بأسلوب الخبير، يقيّم غضبها، ويصحّح تفكيرها، ويمنحها مساحات محسوبة من الحرية٬ ثم يسحب البساط من تحتها حين تتجاوز خط الخيال الذي بناه عنها.
ففي اللحظة التي حاولت فيها زوجته أن تخرج من صورته المثالية عن المرأة القابلة للترويض، انكشف وجهه المختبئ٬
 فهو رجل يريد شريكة مثقفة، نعم، لكن بشرط ألا تتجاوز مستوى ثقافته هو، وألا تملك صوتًا يعلو على صوته أبداً. 
هذا النوع من الرجال مثال عمن يرفع شعار الحرية، لكنه يصرّ على تشكيل المرأة بنفسه وإطفاء نور إبداعها بخبث وبمسمى الحب والدعم والحماية التي تخفي سرداب التملك العميق الذي يسيطر عليه٬ ولا تخلو الدراما العربية من نماذج شبيهة ومكررة.

وللأسف ما فعلته الدراما العربية على مستوى الخيال، عمّقته البرامج والأخبار على مستوى الواقع الخطابي٬ فحتى لو قدمت نسخة محسّنة منها بوصفها قوية ومستقلة، إلا أنها تبقى محصورة ضمن حدود المقبول سياسيًا وأخلاقيًا من قبل الدولة والمجتمع البطريركي.
وبهذا يصبح نموذج “المرأة المُمكَّنة” في الإعلام مجرد إطار معياري جديد، يُستثمر رمزيًا لإظهار انفتاح الأنظمة ومرونتها، أكثر مما يُستخدم كمنصة فعليّة لتقويض علاقات القوة غير المتوازنة بين الجنسين.
فياسمين عز، ومثيلاتها يقدَّمن بصفتهن نساء يحاورن ويعلّقن، ويبدين رأيهن، بينما خطابهن لا يعدو كونه خطابًا مُطَبِّلًا للنظام الأبوي، داعسًا على آلام أخريات وعلى اضطهادهن، وكأن المسألة هي مجرد صراع داخلي بين النساء أنفسهن، تُهمل فيه البُنى الذكورية التي تقف في الظل تمامًا من معدّين ومحررين ومخرجين رجال، يتحكمون حرفياً بصناعة الصورة والمتخيّل الإعلامي العام بأكمله عنها.

وإذا كان الإعلام يصوغ الوعي العام بهذه الطريقة، فإن الإعلانات تكمل المهمة عبر تشكيل المخيال الاستهلاكي نفسه؛ ففي عوالم المنظفات ومنتجات “الحياة المثالية”، تُدفع المرأة إلى مواقع القرار المصيري في اختيار مسحوق الغسيل الأنسب، أو تحديد الرائحة التي تجعلها مرغوبة، كل ذلك من خلال ظهور إغرائي خليع، وصوت ساحر مثير، في غياب واضح لتسليع الرجل بهذه الطريقة الفجّة وكأن الإغراء فعل نسائي حصري، مما يؤكد أن الإعلان ليس مجرد أداة تسويقية، بل هو ماكينة تُنتج الخيال الجندري، الذي لا ينبع من النساء بل ينسج ويُفرض عليهن ببساطة.

على الجانب الآخر يبدو الغرب وكأنه يقدم بديلاً أكثر تحرراً، ولكن الواقع يؤكد أن ما قدمه لم يكن ألطف تجاه المرأة عموماً وتجاه المرأة العربية خصوصاً٬ لأنه كان يتقاطع بشكل معقد مع الاستعمار الثقافي الذي نحتها في عقول الجمهور كجسد محمّل بالرموز الشرقية المرغوبة، أو كضحية بحاجة للحماية، أو كامرأة “غامضة” تحتاج إذنًا كي تدخل الحضارة وتثبت أهليتها للنجاح.

يتجلى هذا بوضوح في فيلم Not Without My Daughter )1991) المأخوذ عن كتابٍ بالعنوان نفسه، والذي رسّخ فكرة أن المرأة في المنطقة الشرقية لا تنجو ولا تتحرر إلا بالهروب من ثقافة هذه الأرض الموبوءة، حتى لو كانت هذه المرأة أمريكية أصلاً. 
فالشرق في الفيلم يتحول إلى قوة سامة تغيّر حتى الرجل الجيد٬ فتجعله متسلّطًا وعنيفًا، يطالبها بالخضوع الكامل بلا أي شروط، متسلحاً بالقوانين والأعراف المحلية المتشددة. 
ورغم أن الفيلم يستند إلى وقائع ربما حدثت، فإن إنتاجه كان محاطًا بجدل سياسي وثقافي واسع، لأنه قدّم مجتمعًا كاملًا بوصفه عدوانيًا وقمعيًا ومتوحشًا، من خلال عين واحدة ليست شرقية أساساً، مما غذّى النمطيات التي يسهل استثمارها وتدويرها في الخطاب الغربي عن المسلمين خاصةً والشرقيين عموماً.

وتتكرر هذه النظرة الاستشراقية في فيلم Contra 2020 الألماني حيث تستفزّ نعيمة الطالبة المغربية نوايا الأستاذ الجامعي الذي يُفترض أنه ليبرالي ومتنور. لكن رؤيته لها منذ اللحظة الأولى لم تكن رؤية أكاديمية خالصة، بل نظرة تفترض أنها أقل كفاءة، أقل ذكاء، أقل فصاحة لأنها لا تتحدث بلغتها الأم٬ وأن وجودها في مقاعد الجامعة يحتاج دائمًا إلى تبرير أو تصحيح. 
فهو لا يرى فيها طالبة كاملة الأهلية، بل مشروعًا يجب تهذيبه، تشكيله، وتعليمه كيف “يتكلّم مثل الناس”، وكأن المشكلة ليست في التمييز الذي يوجّهه نحوها، بل في عدم تطابقها مع النموذج الثقافي الذي يراه هو معيارًا عالميًا.
وتكمن خطورة هذا الخطاب في أنه لا يُصرَّح بعداوته مباشرة، بل يختبئ خلف لغة أكاديمية ناعمة تدّعي الموضوعية من خلال نقد لغوي، ملاحظات منهجية، تقييمات شكلية٬ لكنها في العمق أدوات لضبط خلفيتها وانتمائها٬ والذي يجعلها دوماً في موقع الاتهام وبحاجة دائمة لإثبات أن حكمه عليها سطحي ومجحف بكل المقاييس.

وإذا كانت السينما الأوروبية تغذي الوعي الجمعي بصرياً، فإن الصحافة الغربية تفعل الأمر ذاته عبر خطابٍ أكثر مباشرةً وتكرارًا؛ فهي تركّز في مقالاتها عن الشرق على مواضيع الهروب، الاضطهاد، والزواج القسري ضمن سرديات متوقعة وعناوين براقة من نوع:
“امرأة تحدت الإسلام وأُجبرت على الفرار” (The Guardian)،
حرية المرأة: هل تعاقب المجتمعات العربية النساء؟” (BBC NEWS)،
“النساء العربيات يناضلن للدفاع عن حقوقهن” (Der Spiegel)،
“عرائس الأطفال” (La Repubblica)  وغيرها من النماذج التي تعيد تدوير شخصية المرأة العربية المتوقعة.

 أما في عالم الموضة فتقدّم النسخة الأكثر نعومة، لكنها الأكثر مراوغة؛ إذ يمثّل الجدل حول مجموعات الحجاب التي أطلقتها
 D&G أو H&M مثالًا حيًا على ما يمكن تسميته بـ“النسخة الآمنة” للمرأة العربية/المسلمة في الخطاب الغربي٬ ٬ فالنساء المسلمات يستبعدن من تمثيل ذواتهن بالكامل، بينما يُعاد تقديم الحجاب عبر جسد غربي أبيض يملك وحده شرعية الجمال والموضة، بعيدًا عن أي سياق اجتماعي أو رمزية هوياتية تعترف بالتنوع والاختلاف.
والمقلق أنه في ظلّ موجات الإسلاموفوبيا الصاعدة عالميًا، تصبح المفارقة أكثر حدّة حين تُمتدح امرأة بيضاء طويلة القامة لأنها تبدو “أنِيقة” بالحجاب نفسه الذي يُعامل كعلامة خطر على أجساد النساء المسلمات في الشوارع، عندما يُنظر إليهن كـ“متطرفات” أو مهدّدات بالعنف أو جاهلات أو حتى كمُذنبات محتملات في بعض الدول الغربية٬ وكأن الرسالة الضمنية تقول إن الثقافة الشرقية لا يُسمح لها بالظهور إلا بعد إعادة فلترتها عبر عدسة غربية تجعلها قابلة للاستهلاك والاستثمار.

رغم كل المرار لم تتمكن كل تلك العقبات أن تشكل سداً منيعاً يحرم المرأة العربية من التعبير عن نفسها وتصدير وعيها الواسع من خلال خيالها الخاص٬ ذلك الخيال الذي أعاد تشكيل علاقتها بجسدها، بكل اضطراباته ورغباته، وأعاد كتابة أمومتها خارج ثنائية التضحية أو القداسة.

وكثيرة هي التجارب الأدبية التي دفعت هذا الوعي إلى الأمام٬ وحولت التجربة القاسية إلى مادة خيال تكشف عن أساليب أخرى للحياة: كعلاقات أكثر مساواة، وحضور مختلف في الفضاءين العام والخاص٬ بعيداً عن الأدب الكلاسيكي والمعاصر المليء بنساء مستوردات من أوهام الرجال وأحلامهم٬ من المطيعة والضعيفة إلى المغرية وصولاً إلى العاهرة.
وبعيداً عن انحياز اللغة٬ في ثنائيات تخدم الآخر مثل: عقل/ عاطفة٬ روح/ جسد٬ طهارة/ خطيئة ٬ والتشييء الجنسي للجسد الأنثوي المتاح عبر الوصف والافتراس الرمزي والتجميل التسويقي الذي لم يعتبرنه إلا نسخة أنيقة من السيطرة.

ورواية «اسمي سلمى» لفادية فاقير خير مثال، فسلمى عندها ليست جسدًا مطاردًا وحسب؛ إنما هي ذات تخترع عالمًا بديلًا كي تستمر٬ وكلما ضيقت الحياة عليها٬ كانت توسّع داخلها مساحة تخيّل تحفظها من الانكسار، فتحلم بابنتها، وتعيد تخيّل المدن كملاذ، وتحول المنفى إلى وسيلة لإعادة كتابة قصتها الخاصة، وكأن الخيال هو الجسر الوحيد الذي لا يمكن لأحد مصادرته.

ومن الكتابة إلى المادة البصرية، امتد الخيال النسائي ليعيد للجسد معناه الأول كسجلّ حيّ للذاكرة؛ يحمل آثار الحرب والهجرة والمرض والرغبة معًا٬ بدل اختزاله في رمزية الحجاب والستر الرمزي المتداولة، أو الرقص الشرقي والغنج المتعارف عليها ففي أعمال فنانات تشكيليات معاصرات كمنال الضويان السعودية، يعاد للأسماء النسائية حق الظهور، حين تضع آلافها في معرض للفنون كأنها تعيد للمرأة حق أن تُرى وأن تُنادى من خلال أشهر أعمالها (اسمي).

إن استرداد هذا المعنى لا يقتصر على الفن بل يمتد للمجال العام٬ فسولان عمر العارضة السورية الكردية لم تكن قصة نجاح مهني فحسب بل كانت خيالاً جديداً ينهض من هامش اللجوء ليفكك صورة اللاجئة التي تحتاج إلى إنقاذ٫ ويقدم حضوراً جريئًا يقلب رواية الجسد الشرقي الخاضع، متحديًا وصاية الداخل بكل نمطيات الانحلال والخيانة القومية وخيالات الخارج المتعالية معًا.

تتسع دائرة هذا الخيال أكثر حين نرى النساء يصنعن عوالم بديلة في أكثر الأمكنة هشاشة؛ ففي فيلم هلأ لوين اللبناني لا تظهر المرأة كضيفة في مسرح الصراعات بل كقوة خفية تمنع انهيار السقف فوق الجميع ففي القرية التي تعاني من الحرب الأهلية وصراعات تافهة الأسباب تبتكر النساء عالماً مليئاً بالأكاذيب الصغيرة والخيال الكبير لحماية الحياة نفسها٬ وبذلك يكشف الفيلم المفارقة التي تؤكد أن من اتهمن بالعاطفية والضعف٬ هن في الواقع الفاعلات الأساسيات في نهضة المجتمع وسلامه. 

هذا الخيال النادر بات اليوم أكثر حضوراً وانتشاراً فقد وجد في منصّات السوشيال ميديا مساحات يتنفّس فيها بعيدًا عن مقصّ الرقابة التقليدية.

هناك، حيث التسجيلات اليومية والنصوص القصيرة والفيديوهات العفوية، تخرج المرأة من صورة أُعدّت لها سلفًا، وتظهر كما هي: بصوتها، بتجربتها، وبفوضاها أحيانًا.
ورغم محاولات إعادة إنتاج النمطيات القديمة، تحوّلت هذه المنصّات إلى شقوق صغيرة في جدار التمثيل الرسمي، شقوق يتسرّب منها خيال آخر لا تصوغه المؤسسات، بل تكتبه الحياة نفسها.

ويراودني هنا سؤال مفصلي٬ فإذا كان مبرراً للشرق مجازاً أن يحارب حتى يبقي على قوالبه النسائية الخاصة ليضمن سيطرته على نصف المجتمع في أرض الواقع٬ إذاً لماذا ما زال الغرب يجاهد ليُنتج نسخته “الآمنة” من المرأة العربية٬ رغم كل الجهود التي قامت بها لتغيير هذه النسخة٬ والتي من الواضح أنها دفعت ثمنها غالياً؟
وللأسف الاجابة دوماً مُرّة٬  فالنسخة مصمّمة بعناية كي لا تهزّ البنية الثقافية التي يقوم عليها، والتي تُعرِّفه بوصفه المرجع الأوحد للتحرّر والتقدّم، وتُعرِّف الآخر بوصفه محتاجًا للتوجيه، لا كشريك في إنتاج معرفة عالمية.
وبالتالي يستطيع استغلال قضايا المرأة العربية داخل خطاب سياسي جاهز يبرر تدخلاته أو سياساته الخارجية تحت عنوان 
“حماية النساء من ثقافتهن الملعونة”

تبين رؤية الغرب السابقة عدم قبول واضح  للتمرد الذي لا ينسجم مع النسخة المصقولة والذي يتعدى السقف المسموح به لأنه يهدد بكشف العلاقات المعقدة بين النسوية والهوية والاستعمار، ويتجاوز كونه صوتًا خافتًا قابلًا للاستهلاك في المهرجانات، والكتب المترجمة، والأفلام الوثائقية؛ التي تفضل دور الضحية النموذجية الحاملة  لقصة ألم مفهومة مسبقاً، أو دور المتحررة في قصة سقوط وصعود تتوافق مع توقعات الجمهور دون قدرة تستطيع تهديد النظام نفسه.
وتحت هذه المظلة تتكرر قصصٌ جاهزة لا تنتهي٬ تعكس صوراً غير بريئة تماماً عن المحجبة الباكية مقابل الشجاعة التي تخلع حجابها أمام الكاميرات، وعن المعنفة الصامتة مقابل الهاربة من تخلّف مجتمعها نحو ضوء الحداثة، فالمسار جاهز والنتيجة محسومة وما على المرأة العربية إلا أداء الدور بإتقان.

ولذلك فإن ما خلقته المرأة من خيال لم يكن رفاهية أدبية، بل ضرورة وجودية ومحاولة لتأسيس هوية خاصة تبنى على أساس الوعي الذاتي، داخل عالم يمزّقها بين تناقض المرأة “المحافظة”والمرأة “الحديثة”.
خيالها الذي صنعته كان فعلًا سياسياً يتحدى الاستغلال الممنهج لها ويعيد توزيع السلطة ليحتل صوتها المركز بدل أن يبقى على الهامش ويعود جسدها ملكاً لها بعد تحرره من ملكية الجميع، فسردها الخاص هو التمرد الحقيقي الذي ينقلها إلى منتجة للمعنى، تنظّر، تقيّم وتحلّل٬ وتنتقد كل ما حولها٬ فتعري البُنى التي تخفي قضايا العنف والتمييز والهيمنة تحت لغة الحياء والتقاليد، وتفتح أسئلة عميقة حول من يملك حق تعريف الطبيعي واللائق والمسموح لها.

كل تلك الشرارات تنتج في اللحظة المفصلية التي يصطدم فيها خيال المرأة الحقيقي بخيال الآخر؛ إذ تستطيع وقتها أن تعيد تشكيل زاوية النظر إلى وجودها، بعيدًا عن كونها مأساة شرقية جاهزة أو أسطورة تحرير غربية مُعلّبة، لتكتب خارج المتوقع وتتكلم بلا وسطاء متى شاء لها الكلام. وذلك الوجود قطعاً لا يمكن الوصول إليه من خلال تحسين صورتها أمام الشرق أو الغرب، بل حصراً من خلال تعطيل هذه الصور من الأساس، لتقول المسلّمة البسيطة التي يخشاها الجميع: 
أنا لست انعكاساتكم السقيمة، أنا مرآتي الخاصة، أنا خالقة نفسي…

هبة علاء الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *